
بعد ان دفنت طفلي – محمد نور
بعد أن دفنتُ طفلي، كففتُ عن الصراع على قلب زوجي في اليوم الذي وارينا فيه جثمان طفلنا التراب، أدركتُ حقيقةً طالما تعاميتُ عنها لسنوات:زوجي لم يكن يخشى خسراني يوماً، لأنه كان متيقناً أنني لن أملك الجرأة لأخطو خطوة واحدة بعيداً عنه. على مدى ثماني سنوات، كنتُ الزوجة التي تطيل الانتظار.
أنظر الهاتف ترقباً لاتصاله.
أترقب عودته من مهامه العسكرية.
وأتأمل أن يختارني، ولو لمرة واحدة، ويقدمَنِي على “وفاء”، تلك النقيب الشابة التي كان يصر على معاملتها “كأخت له”.
لكن بعد رحيل طفلنا “زيد”، طويتُ صفحة الانتظار إلى الأبد.
كففتُ عن التساؤل عن مكان مبيته.
ولم أعد أرقب الساعة حين يتأخر في العودة.
وتوقفتُ عن الخصام حين كان يترك مائدتنا ل يهرع نجدةً لـ “وفاء”.
وقبل هذا كله… كففتُ عن الاستعطاف ليعطيني شيئاً من حبه.
بعد ثلاثة أشهر من الفقد، تعرضتُ لسقوط أليم أثناء تدريب ميداني.
استيقظتُ في المستشفى العسكري لأجد كتفي زاحاً عن موضعه، وضلعين فيهما شعر، ومعصمي الأيسر مكسوراً.
عاين الطبيب ملفي ثم قال:
— الرائد “سارة”، لابد من إبلاغ أحد من أقربائك.
— ليس لدي أحد.
تأملني باستغراب ثم تساءل:
— ألسْتِ زوجة العقيد “طارق”؟
ارتسمت على شفاهي أشباه ابتسامة:
— رسمياً، لن أكونكذلك خلال أيام معدودات.
لم يفهم الطبيب مرادي، ولم أكن أتوقع منه ذلك.
بعد نصف ساعة، دخل “طارق” الغرفة.
بزته العسكرية ألقة، وفكه مشدود، وتلك النظرة الجافة التي طالما توهمتُ سنوات أنها مجرد انضباط عسكري.
وقع بصره على الجبيرة فقال:
— لمَ لم يخبرني أحد؟
— لأنني طلبتُ منهم ألا يفعلوا.
قطّب حاجبيه.
في الماضي، لو أصاب التواء بسيط قدمي لهرعتُ إليه باكية. أما الآن، فنصف جسدي ملطخ بالرضوض وأنا أجلس بهدوء أطالع بعض الأوراق.
اقترب طارق وقال:
— “سارة”، انظري إلي.
رفعتُ بصري إليه:
— أنا بخير.
فنطقي بهاتين الكلمتين أثار حنقه أكثر من أي عتاب.
في تلك اللحظة، تعالت أصوات في الممر. ممرضتان تتحدثان دون علم بوجوده في الداخل:
— أريتِ كيف وصلت النقيب “وفاء” بالأمس؟
— بالطبع! رغم أن إصابتها لم تتعدّ التواءً بسيطاً، إلا أن العقيد طارق استدعى رئيس قسم العظام بنفسه!
ضحكت الأخرى وقالت:
— وحملها بنفسه من سيارة الإسعاف حتى غرفة الأشعة!
ساد الصمت الغرفة.
تطلع طارق إليّ فوراً، يترقب ردة فعلي.
2
بعد ان دفنت طفلي – محمد نور
لو كان هذا في السنوات الخالية، لكانت هذه الحادثة كفيلة بإشعال النيران. لصرختُ: “لماذا هي بالذات؟”، ولبكيتُ وتخاصمنا، ولانتهى بي المطاف أعتذر له عن غيرتي!
أما هذه المرة، فقد قلبتُ صفحة الورقة ببرود تام.
— “سارة”.
— نعم؟
— ما سمعتِه لا يعني شيئاً.
— حسناً.
— “وفاء” أصيبت أثناء الواجب.
— تفهمتُ ذلك.
اشتدت ملامح وجهه قسوة:
— أهذا كل ما لديكِ؟
نظرتُ إليه بدهشة:
— وماذا تريدني أن أقول أكثر؟
فتح طارق فمه ليجيب، لكن ممرضة قاطعتنا بالدخول:
— سيادة العقيد، النقيب “وفاء” تسأل عنك، تقول إن ألمها اشتد.
وللمرة الأولى، لم يهرول طارق.
— دعوا الطبيب المناوب يفحصها.
تفاجأت الممرضة:
— لكنها طلبتك بالاسم…





