
جارتي المطلقة
رفعت الغطا.
بصت جوه العلبة.
وفجأة، وشها شحب.
مدت إيدها وطلعت أول ورقة.
كانت الصورة القديمة لجوزي قدام المطعم.
وتحتها الرسالة اللي وصلتني.
بصتلي بسرعة.
لكن قبل ما تنطق، لقت ظرف تاني.
فتحته.
كان جواه نسخ من رسائل وصلتها لعدد من الجيران، بتحكي فيها إن جوزي ناوي يطلقني.
الرسائل دي كنت حصلت عليها من الجيران نفسهم بعد ما وافقوا يوروهالي.
إيديها بدأت تترعش.
همست:
— إنتِ جبتي الحاجات دي منين؟
قلت:
— من نفس الناس اللي كنتِ بتحاولي تقنعيهم إن بيتي بيتهد.
وفجأة، جوزي اتكلم لأول مرة.
قال بصوت واضح:
— وأنا عايز أعرف قدام الناس كلها… مين قالك إني عايز أطلق مراتي؟
سكتت.
كل العيون كانت عليها.
لكن المفاجأة الحقيقية ماكنتش في الورق.
المفاجأة حصلت لما واحدة من الستات الواقفين وسط الضيوف قربت من الترابيزة.
كانت ست في الخمسينات، لابسة فستان كحلي، ووشها متغير من الغضب.
بصت لجارتي وقالت:
— أنا كنت فاكرة إنك اتعلمتي من اللي حصل زمان… لكن واضح إنك لسه زي ما إنتِ!
جارتي اتجمدت.
وهمست برعب:
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
الست ردت بصوت سمعه كل اللي واقفين:
— جاية أقول الحقيقة اللي إنتِ مخبياها عن الناس دي كلها!
وبعدين بصتلي وقالت جملة خلت قلبي يقع في رجليا:
— خلي بالك يا بنتي… الست دي مش أول مرة تحاول تخرب بيت واحدة، لكن المرة دي فيه سبب تاني أخطر من إنها عايزة جوزك!
بصيتلها وأنا مش فاهمة.
— سبب إيه؟!
قربت مني وهمست:
— جوزك معاه حاجة هي عايزاها من سنين… ولو عرفتي هي إيه، هتفهمي ليه اختارت تسكن جنبكم بالذات!
يتبع في الجزء الثاني…
بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري
الثاني
— جوزك معاه حاجة الست دي بتدور عليها من سنين… ولو عرفتي هي إيه، هتفهمي ليه اختارت تسكن جنبكم بالذات!
قالتها الست الغريبة وهي واقفة وسط الجيران، وباصة لجارتي المطلقة بنظرة كلها غضب.
أما جارتي، فوشها كان أصفر زي الليمونة.
قربت من الست وصرخت:
— إنتِ مالك ومالي؟! وإزاي تتجرئي تدخلي بيتي من غير إذني؟! اطلعي بره حالًا!
لكن الست ما اتحركتش.
بالعكس، قربت منها وقالت بصوت عالي:
— خايفة ليه؟! مش إنتِ اللي كنتِ بتقولي إنك هتاخدي جوز الست دي منها؟! طب ما تقوليلهم بقى إنتِ عايزاه ليه بالظبط!
جوزي كان واقف جنبي، وباين عليه إنه مش فاهم حاجة.
مسك إيدي وسألني:
— إنتِ تعرفي الست دي؟
هزيت راسي:
— أول مرة أشوفها في حياتي.
وفجأة، جارتي صرخت:
— الحفلة خلصت! كلكم تخرجوا من بيتي!
لكن الست الغريبة رفعت صوتها وقالت:
— قبل ما نمشي، لازم الناس تعرف إنك مش مجرد ست بتحاول تخطف راجل من مراته… إنتِ جاية هنا علشان تنتقمي من أخوه الميت!
اتجمد جوزي مكانه.
بص للست كأنه شاف شبح.
وبصوت متقطع سألها:
— إنتِ قلتي إيه؟ أخويا؟! إنتِ تعرفي أخويا منين؟!
وهنا بدأت الحكاية اللي عمر ما كنت أتخيلها.
جوزي كان عنده أخ أكبر منه بخمس سنين.
أخوه توفى من حوالي تسع سنين في حادثة عربية.
كان راجل أعمال، وعنده شركة صغيرة للاستيراد والتصدير.
بعد وفاته، جوزي دخل في فترة صعبة جدًا.
كان متعلق بأخوه بشكل كبير، خصوصًا إن أبوهم مات وهم صغيرين، وأخوه الكبير هو اللي ساعده يكمل تعليمه ويبدأ حياته.
فاكرة يوم ما جالنا خبر الحادثة.
جوزي وقع على الأرض من الصدمة.
فضل أيام مش بياكل ولا بينام، وكل ما حد يكلمه عن أخوه يعيط زي الطفل.
وبعد شهور، بدأ يتعافى شوية بشوية.
لكن كان فيه موضوع عمره ما حب يتكلم عنه.
ملفات شركة أخوه.
كنت أعرف إن الشركة اتقفلت بعد الوفاة، وإن فيه خلافات حصلت بين الشركاء.
لكن جوزي كان دايمًا يقول:
— الموضوع خلص يا حبيبتي، ومش عايز أفتحه تاني.
واحترمت رغبته.
لحد اللحظة دي.
الست الغريبة بصت لجوزي وقالت:
— أنا كنت شغالة مع أخوك قبل ما يموت.
جوزي قرب منها خطوة.
— اسم حضرتك إيه؟
قالت:
— اسمي مش مهم دلوقتي، المهم إن أخوك كان سايب عندك شنطة جلد بني، صح؟
جوزي اتغير وشه.
أنا نفسي افتكرت الشنطة.
كانت شنطة قديمة جوزي محتفظ بيها في دولاب مكتبه.
عمري ما شفته بيفتحها، وكل ما نرتب المكتب كان يقوللي:
— سيبي الشنطة دي مكانها، دي ذكرى من أخويا.
بصيتله باستغراب.
— هي دي الشنطة اللي في المكتب؟
ما ردش.
الست كملت:
— الشنطة دي فيها أوراق تثبت إن أخوك اتظلم، وإن فيه ناس سرقت فلوسه قبل ما يموت.
جارتي صرخت:
— كدابة! كل اللي بتقوليه كذب!
الست بصتلها بحدة:
— طب إنتِ عرفتي منين إن الورق مش موجود؟!
سكتت جارتي.
وجوزي سألها:
— إنتِ مين أصلًا؟ وإيه علاقتك بأخويا؟
وهنا حصلت المفاجأة الأولى.
الست قالت:
— دي كانت خطيبة واحد من شركاء أخوك… والراجل ده دخل السجن بسبب ق.ضية تزوير، وهي مقتنعة إن أخوك السبب!
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
يعني جارتي ما جاتش بالصدفة؟
ما اختارتش البيت اللي جنبنا علشان تبدأ حياة جديدة؟
دي كانت عارفة إحنا مين من البداية!
جوزي طلب من الجيران يسيبونا نتكلم بهدوء.
لكن جارتي رفضت.
فضلت تصرخ وتقول إن الست بتفتري عليها، وإنها هتبلغ الشرطة.
وفي الآخر، لما لقت إن محدش مصدقها، دخلت بيتها وقفلت الباب بعنف.
أما الست الغريبة، فطلبت مننا نتكلم في مكان هادي.
رحنا بيتنا.
قعدنا في الصالون، وجوزي كان متوتر جدًا.
قدمتلها كوباية مية، وسألتها:
— حضرتك عرفتي منين إن جارتنا ناوية تأذينا؟
تنهدت وقالت:
— لأنها اتصلت بيا من أسبوعين، وطلبت مني أساعدها توصل لشنطة أخو جوزك.
بصيت لجوزي.
كان ساكت.
الست كملت:
— هي فاكرة إن الشنطة فيها مستندات تقدر تستخدمها علشان تفتح ق.ضية قديمة وتطالب بتعويض كبير.
سألتها:
— طب وإيه علاقة جوزي بالموضوع؟
قالت:
— لأنها عارفة إن جوزك هو الوحيد اللي احتفظ بأوراق أخوه بعد الوفاة.
جوزي أخيرًا اتكلم:
— وأنا أصلًا ماعرفش محتويات الشنطة كلها.
بصيتله بصدمة.
— إزاي يعني؟! إنت محتفظ بيها من تسع سنين ومش عارف فيها إيه؟
قال بحزن:
— أخويا سلّمهالي قبل الحادثة بيومين، وقاللي أحافظ عليها ومافتحهاش إلا لو حد حاول يضر عيلتنا بسبب شغله.
سألته:
— وليه ماقولتليش؟
رد:
— كنت فاكر إن الموضوع انتهى بموته، ومش عايز أجرّك إنتِ والعيال لمشاكل قديمة.
الست الغريبة هزت راسها.





