
بنتي وخطيبها
وبعدها خرج أبوها من البيت وأنا كنت حاسة إننا أخيرًا قفلنا باب قديم، لكن الباب الثاني كان لسه بيفتح على أسرار جديدة.
نفس الليلة خطيب بنتي اتصل بيا وقال لي لازم نتقابل لوحدنا لأنه اكتشف حاجة جديدة، ولما قابلته قال لي إن الرجل اللي كان أبو بنتي يبتعد عنه لسه موجود وإنه عرف إن المستندات ظهرت وإنه بيدور عليها.
وبعدها بدأت سلسلة من الأحداث لأن حد بدأ يتصل بالبيت من أرقام مجهولة ويسأل عن بنتي، وأحيانًا كان حد يقف بعيد عن البيت ويراقبنا وبنتي بدأت تخاف، لكن خطيبها فضل واقف جنبها وقال لها مهما حصل أنا مش هسيبك.
وفي يوم وإحنا راجعين من عند أهل خطيبها لقيت عربية ماشية ورانا فدخلنا شارع جانبي والعربية كملت طريقها، وبعدها وقفنا عند قسم الشرطة وبلغنا عن الموضوع.
وبعد التحقيق اكتشفنا إن الشخص اللي بيراقبنا كان واحد من رجال الشريك القديم لأبو بنتي وإنه كان بيدور على الأوراق، لكن المفاجأة الأكبر كانت لما الشرطة عثرت على الصندوق القديم اللي كان أبو بنتي مخبيه في مكان ما كناش نتوقعه.
الصندوق كان فيه مستندات وحسابات وأسماء ناس كتير وكان واضح إن الموضوع أكبر من مجرد أموال، وبعد التحقيقات ظهر إن أبو بنتي كان قديمًا جزء من شبكة تجارية كبيرة وإن شريكه استخدم أسماء ناس كتير في معاملات غير قانونية، وإن أبو بنتي لما اكتشف الحقيقة حاول ينسحب لكنه كان متأخر وبعدها اضطر للاختفاء لكن بدل ما يحمي عيلته بشكل صحيح تركهم من غير تفسير.
وفي النهاية تم القبض على الشخص الرئيسي بعد ما ظهرت الأدلة، وبعدها بدأت حياتنا تهدى تدريجيًا أما بنتي فكانت أول مرة تحس إنها مش مضطرة تخاف من المستقبل وبدأت تحضر للفرح بشكل مختلف جدًا.
وفي يوم اختيار فستان الزفاف وقفت قدام المراية وبصت لنفسها وقالت لي ماما أنا زمان كنت بتمنى أصحى يوم ألاقي العلامة اختفت دلوقتي أنا مش عايزة تختفي، قالت لي ليه؟
قالت لأنني أخيرًا فهمت إنها جزء مني بس مش هي كل اللي فيا، وابتسمت وأنا عيوني دمعت وقلت لها طول عمرك كنت مستنية اليوم ده.
وبعدها جه يوم الفرح وكان أبوها موجود بعيد لكنه ما حاولش ياخد مكانه القديم، وخطيبها وقف جنبها قدام الناس كلها ولما شافها داخلة ابتسم بنفس الطريقة اللي شفتها أول يوم دخل فيها بيتنا وكأن السنين كلها ما كانتش موجودة.
وبعد انتهاء الفرح وإحنا راجعين البيت قالت لي ماما إنتي فاكرة أول يوم جيت فيه هنا مع خطيبي؟ قلت لها آه، قالت لك قال لك أنا نفذت الجزء اللي عليا من الاتفاق دلوقتي جه دورك؟ قلت لها أيوه.
قالت لي هو كان متفق مع بابا على إنه يكشف الحقيقة كلها قدامنا وأنا كنت عارفة جزء من الموضوع من زمان لكن كنت خايفة أقول لك، قلت لها ليه؟ قالت لأنني كنت خايفة أخسرك لو عرفتي إنني عارفة.
وبعدها حضنتني وقالت لي بس فيه حاجة أهم أنا مش شايلة منك لأنك طول عمرك عملتي اللي تقدري عليه عشاني، وفي اللحظة دي حسيت إن كل التعب اللي عشته من يوم ولادتها كان يستاهل اللحظة دي.
وبعد شهور من الزواج بدأت أشوف بنتي بتعيش حياة مختلفة، كانت بتخرج وتضحك وتتكلم بثقة وما بقتش تخبي وشها في الصور ولا تختار زاوية معينة عشان العلامة ما تظهرش، وخطيبها كان دائمًا جنبها.
وفي مرة سألته إنت عمرك ندمت إنك دخلت في كل الحكاية دي؟ قال لي بالعكس أنا اكتشفت إن أكبر صفقة عملتها في حياتي هي إني اخترت الإنسانة الصح.
وبعدها ضحك وقال لي وأنا لما قلت لك أنا نفذت الجزء اللي عليا من الاتفاق كنت أقصد إنني نفذت وعدي لأبوها إني أحميها وأكشف لها الحقيقة، لكن كان عندي وعد تاني لنفسي إني أحبها وأحترمها طول عمري وده ما كانش اتفاق مع أي حد ده كان اختياري أنا.
وبعد سنوات طويلة فهمت إن اللي حصل في حياتنا كلها كان درس واحد كبير، وهو إن الإنسان ممكن يهرب من الحقيقة سنين لكن الحقيقة في النهاية هتلاقي طريقها وترجع لك مهما حاولت تخبيها.
وإن العلامة اللي على وش بنتي ما كانتش يومًا عيبًا يحتاج يتخبى، لكن الندبة الحقيقية كانت في قلب رجل ترك طفلته ومشى وكان لازم يقضي عمره كله عشان يفهم إن الإنسان مش بيتقاس بشكله ولا بماضيه ولا بأخطاء أهله، بيتقاس بالاختيارات اللي بياخدها لما يلاقي نفسه قدام لحظة حقيقية.
وأنا في آخر يوم كنت فيه بجهز بيت بنتي عشان تستقبل أول طفل ليها وقفت قدام صورة قديمة ليها وهي طفلة وكانت العلامة ظاهرة في وشها، وافتكرت اليوم اللي سألتني فيه هو أنا وحشة؟ وابتسمت وأنا ببكي وقلت لنفسي لأ يا بنتي إنتي ما كنتيش وحشة في يوم من الأيام، إنتي بس كنتي محاطة بناس ما عرفوش يشوفوا جمالك الحقيقي، لكن في النهاية لقيتي الشخص اللي شافك من غير ما يحتاج يتعلم إزاي يشوفك.
وعرفت وقتها إن اللي حصل كله بدأ بجملة غامضة قالها رجل في ليلة عادية أنا نفذت الجزء اللي عليا من الاتفاق دلوقتي جه دورك، لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن الاتفاق الحقيقي ما كانش عن أموال ولا أوراق ولا أسرار.
الاتفاق الحقيقي كان إن بنتي لازم تعرف يومًا إنها تستحق الحب وإن ماضي أهلها مش حكم على مستقبلها، وإن الشخص اللي يحبها بجد مش هيطلب منها يومًا إنها تخبي نفسها عن العالم.
وبعد كل اللي حصل بقيت كل ما أبص على بنتي وهي ماشية في الشارع ووشها مرفوع أفتكر كل السنين اللي كانت بتخبي فيها نفسها، وأقول الحمد لله إنها في النهاية ما خلتش قسوة الناس تغير قلبها ولا تخليها تصدق الكذبة اللي اتقالت لها طول عمرها إنها أقل من غيرها، لأن الحقيقة كانت أبسط وأجمل من كل الأسرار اللي اتخبّت سنين.
الحقيقة إن بنتي كانت دايمًا تستحق إنها تتحب زي ما هي، ويمكن أنا اتأخرت جدًا عشان أفهم إن أكبر هدية ممكن أم تقدمها لبنتها مش إنها تحميها من العالم كله لأن ده مستحيل، لكن إنها تعلمها إنها ما تخافش من العالم وإنها مهما حصل ما تسمحش لحد يقنعها إنها أقل قيمة.
ومن يومها وأنا كل ما أفتكر الليلة دي أفتكر اللحظة اللي خرجت فيها بنتي من الأوضة وسيبتني لوحدي مع خطيبها، وأفتكر إزاي قلبي وقع من جملة بسيطة، لكني دلوقتي لما أرجع لها بابتسامة أعرف إنها كانت بداية نهاية سر قديم وبداية حياة جديدة لبنتي، لأن الاتفاق انتهى فعلًا لكن الحب الحقيقي هو اللي فضل بعده.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





