
حنين للماضى امانى سيد
مابقاش في كلام يتقال بعد اللي عملته.” بدل ما أنزل لمستواهم وأرد على سخريتهم، أو أنطق بكلمة تخليهم يفرحوا بكسرتي أكتر، أخدت نفسي ببطء، ورفعت راسي لفوق بكل ما تبقى لي من كبرياء مجروح. لفيت ضهري عنهم، وبدأت أتحرك بخطوات تابثة ومشيت.. سيبتهم واقفين مكانهم بالضحكات الساخرة اللي كانت بتتردد ورايا في الممر، لكن قلبي كان بيقرر في اللحظة دي حاجة واحدة بس: المذلة انتهت، والتعلق بميت خلص بلا رجعة.
ركبت العربية وأنا ساكتة، وأول ما الباب اتقفل وبعدت عن عيونهم، انفجرت في عياط طويل.. عياط بيغسل كل ذرة حب قديم، وكل دمعة رخصت نفسي عشانها، عشان أقوم تاني أقوى، وأعرف إن اللي يبيعك ببرود، خسارته هي أصلًا مكسب كبير لروحتك وكرامتك. رجعت البيت.. ودخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا كويس، كأني بحصن نفسي من برة العالم كله. قعدت على السرير، وبصيت في المراية اللي كنت واقفة قدامها ساعات طويلة أزبط شعري وأستنى رضاهم.. لقيت وشي باهت، وعنيا مبلولة، بس لأول مرة.. حسيت إن فيه سكون غريب جوه صدري.
الصدمة اللي وجعتني في المول، والكلمات الجارحة اللي رموهامرت زي السهام، كان ليها مفعول السحر القاسي.. فتحت عيني على آخرها. بقيت أقول لنفسي بصوت عالي وأنا ماسكة دموعي: “خلاص يا أميرة.. انتهى الفيلم، وانتهى الوهم اللي عشتي فيه شهور. اللي مكنش شايفك وأنتِ قريبة، عمره ما هيلتفت لك وأنتِ بتبكي وراه.” قعدت افتكر كل مرة نزلت فيها الشارع مستنية نظرة حنين، وكل دمعة نزلت على مخدي.. حسيت بغضب طاهر جوه قلبي، غضب بينضف كل تعلق قديم، وبيصحى الكرامة اللي كانت نايمة.
قمت فتحت الشباك.. الشارع اللي تحت كان هادي، بصيت للبلكونة اللي كنت بقف فيها بالساعات. حسيت إن ا لشباك ده اتحول من مكان للمراقبة والانتظار، لمكان هفتح منه صفحة جديدة وبس. خدت نفس عميق.. الهوا البارد دخل صدري، وكأنه بينفض غبار الوجع كله.
مسحت دموعي بايدي، وقعدت على الكرسي وأنا حاسة إن الوزن الثقيل اللي كان على صدري بدأ يخف.. خلاص، بقيت حرة. تاني يوم الصبح، مكنش فيه وقفة قدام الشباك، ولا مراقبة لمواعيد حد. صحيت بدري، وفتحت الشباك دخلت نور الشمش كله جوه الأوضة. خدت قراري إني لازم أنفض غبار الحزن ده وأركز في نفسي وحياتي اللي ضاعت سنين وأنا مستنية حد يعيد كتابتها.
قدمت في شغل جديد في شركة محترمة، وسط ناس بتقدر الكفاءة والشغل، ولقيت نفسي بنغمس في تفاصيل يومي، وبابني كيان جديد ومستقل يخصني أنا لوحدي. بقيت أصحى الصبح وأنا عارفة رايحة فين وبعمل إيه، مش بستنى رحمة حد ولا نظرة رضا من عابر سبيل. وبعد فترة، الشارع كله اتدج بالأجراس والزغاريد.. خبر جواز طليقي من الست اللي كانت معاه في المول اتنشر في المنطقة كلها، والكل بدأ يتكلم عن الفرح اللي هيتعمل في نفس الشارع، وكأنهم بيقصدوا يختبروا صبري ووجعي القديم.
لكن المفاجأة الحقيقية.. لنفسي قبل أي حد تاني.. إني لما سمعت الخبر وسامعت أصوات دوشة التحضيرات، حسيت ببرود تام وسكون غريب جوه قلبي. لا دمعة نزلت، ولا قلبي دق بقبضة وجع، ولا حبيت حتى أبص من الشباك أشوف بيعملوا إيه. دخلت شغلت مزيكا هادية في الأوضة، وكملت شغل في اللاب توب بتاعي بكل تركيز، وكأن اللي بيحصل ده بيحصن في عالم تاني ملوش أي صلة بيا.
يوم الفرح عدى، وشافته وهو خارج بالعربية مع مراته الجديدة وسط الزفة.. عيني جت صدفة عليهم وأنا نازلة رايحة الشغل، بس بدل ما أهرب أو أتوجع، بصيت لهم بنظرة عادية جدًا.. نظرة شخص شاف فيلم قديم وخلص، ومبقاش فارق معاه نهايته كانت إيه. ركبت عربيتي، وابتسمت لنفسي وأنا حاسة بقمة القوة والحرية.. خلاص، الماضي مات، وأنا بدأت عيش حياتي بجد.
بعد فترة من الشغل والانشغال ببناء نفسي وكياني، الدنيا ابتسمت لي من جديد بطريقة ماكنتش أتوقعها بالسرعة دي. في محيط الشغل، اتعرفت على زميل محترم، إنسان هادئ وناضج، وقدر بأسلوبه الراقي واحترامه يداوي كل الجروح القديمة من غير ما يحسسني بأي نقص. التقارب بيننا اتطور باحترام متبادل، ولما فاتحني في رغبته إنه يرتبط بيا رسمي، مكنش فيه تردد جوه قلبي؛ حسيت إن ده الشخص المناسب اللي هيقدر معناه الحقيقي للتقدير والأمان.
عملنا خطوبة عائلية دافئة وبسيطة، وسط أهلنا والناس اللي بتحبنا بجد. وكان عنده شقته الخاصة، وبدأنا سوا خطوة بخطوة نجهزها ونفرشها عشان تكون عش الزوجية اللي هيبدأ حياتنا الجديدة. كنت بنزل معاه نختار العفش والألوان، وكل تفصيلة كانت بتتعمل بحب وراحة غير معتادة. ولما خلصنا فرش الشقة ودخلتها لأول مرة، حسيت بذهول وفرحة غامرة.. الشقة كانت أوسع بكتير، وأحسن وأشيك وأكبر بمراحل من شقتي القديمة، والمكان كله كان مليان طاقة إيجابية ونور، كأن ربنا بيكافئني بكل خير على الصبر اللي صبرته ومرارة الأيام اللي عدت.
مرت الأيام، وجه اليوم المنتظر.. يوم فرحي أنا، اليوم اللي هبدأ فيه صفحة جديدة ومضيئة مع إنسان يقدر قيمتي وبيصونني. الشقة كانت منورة بأهلنا، والضحكات والزغاريد كانت مالية المكان. لكن المدهش، والمصادفة الكبرى التي لم تكن تخطر على بال أحد.. أن يوم زفافي أنا، كان هو نفس يوم طلاق طليقي من مراته الجديدة! التاريخ الذي حسيت فيه قبل كده بالكسر والقهر، ربنا اختاره عشان يكون هو نفسه تاريخ بدايتي الجديدة وفرحي، وفي نفس اللحظة وبالتزامن الدقيق، كان بيكتب النهاية لبيته الثاني.
والأغرب من كده إيه؟ إن سبب الطلاق بينهم كان هو هو بالحرف.. تدخل أهله السافر في حياتهم، وسلبيته التامة اللي ما اتغيرت ولا تعلم منها أي درس، وكأن التاريخ بيعيد نفسه معاه، ليثبت للجميع إن العيب عمره ما كان مني، وإن الخراب الذي هدم بيتنا الأول كان نابع من ضعفه وعدم قدرته على حماية بيته.
وقفت في بيتي الجديد، الواسع، الهادي، وسط إنسان بيحترمني وبيحطني في عيونه، وبصيت لنفسي في المراية.. لقيت الوجع القديم اختفى تمامًا، ومبقاش له أي أثر. حسيت ساعتها بمعنى آية “إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”.ربنا عوضني بالأحسن، وكتب لي حياة كريمة تليق بقلبي اللي صبر واستحمل، وجاء عدل السماء في نفس ليلة فرحتي ليؤكد أن الحق لا يضيع أبدًاا





