قصص قصيرة

اختى اماني السيد

تفرق معاكي في إيه عايشة ولا مش عايشة؟
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أجمع حتت كبريائي المكسورة وأنا بقولها بنبرة مصطنعة فيها شوية من حنية زمان
في الأول والآخر إنتي أختي يا شيماء.. ولحمي ودمي، ويهمني أمرك، وأي مشكلة أو تصرف منك ممكن يأثر علينا إحنا الاتنين قدام الناس!
كلمتي نزلت عليها بقوة.. لقيتها بصتلي بابتسامة سخرية وجع ماليها، عيونها لمعت بدموع قهر محبوسة، وقالت بصوت ثابت وحاد قطع قلبي
متخافيش على نفسك أوي كده وما تقلقيش، أنا مربية عيالي كويس ومابعملش حاجة غلط تكسف أو تجيب سيرتك.
كلماتها خبطت في صدري، بس فضولي كان مسيطر عليّ خالص، مكنتش قادرة أتقبل إنها استغنت عني وعدت الأزمة لوحدها.
وقفت قدامها وابتسمت بسخرية مريرة، وفضلت أزن عليها وأزن كأني بحاول أفهم الحقيقة
بتعملي إيه يعني يا شيماء عشان تجيبي الشنط دي كلها لوحدك؟ من غير الشغل القديم ومن غير مساعدتي؟! فهميني بتجيبي الفلوس منين؟ بتشتغلي إيه؟ عيب عليا لما أكون أختك وما أعرفش ظروفك الجديدة جاية منين!
شيماء سابت الشنط اللي في إيدها على الأرض، واتعدلت في وقفتها، وبصتلي بنظرة كلها ثقة وقوة غريبة أول مرة أشوفها في عينيها.
مكنتش الضعيفة المكسورة اللي بتترعش من شهر.. الوجع والقهرة صنعوا منها ست تانية خالص.
قربت خطوة مني، وقالت بصوت هادئ وثابت خلى ريقي ينشف
عايزة تعرفي بشتغل إيه وبجيب فلوس منين يا هبة؟ تعالي.. ادخلي شوفي بنفسك!
وقبل ما ألحق أرد، مسكت إيدي وشدتني وراها لحد أوضة الصالون، فتحت الباب وراحت على الركن البعيد وشالت غطاء قديم كان مفرود على ترابيزة صغيرة.
فتحت عيوني على آخرها من الصدمة والذهول.. لقيت ترابيزة متروسة علب بلاستيك فيها مخللات متنوعة، وورق عنب محشي ومجهز، وعلب تانية فيها أكلات منزلية ومخبوزات مجمدة، وجنبها مجموعة من أكياس التوابل المعطرة والمرتبة بعناية، وفوق الحيطة كيس كبير متعلق فيه بطاقات صغيرة عليها اسمها وأرقام التليفونات!
بصتلها ولساني انعقد ومش مصدقة نفسي، لقيتها بتقولي بنبرة جافة وكلها عزة نفس
من يوم ما طردتيني وقلتيلي دي مشكلتك، ومن يوم ما كرامتي اتأذت بسبب احتياجي للأكل.. قعدت مع نفسي وقلت مستحيل أسيب أولادي محتاجين ولا أطلب المساعدة كل مرة.
نزلت اشتغلت في تجهيز طلبات أكل بيتي ومجمدات منزلية لجيران المنطقة والموظفات اللي زي حالاتي، اللي بينزلوا شغلهم الصبح ومش بيلحقوا يطبخوا.. بقيت أعمل ده كله بالليل وأنا تعبانة، وببيع للناس اللي بتقدر تعبي وتحترم شغلي، مش بتمن عليّ بالمساعدة!
كلماتها نزلت على دماغي زي الصاعقة، حسيت إن الأرض بتميد بيا، وإني قدام صمودها وقوتها بقيت أصغر إنسانة في الدنيا، وإني بإيدي هدمت سندي وضيعت أختي.
لكن كلام أختي اللي قالته بعد كده، واللي حصل بعدها، خلاني أفوق.
وقفت قدامها ودموع الندم محبوسة فى عيونى، وبصتلها بكسرة وأنا مش مصدقة حجم الظلم والقسوة اللى ارتكبتهم فى حقها. بصتلى بهدوء، وملامح وشها كان فيها رضا وشموخ يكسف، وقالت بصوت دافئ كله ثقة وعزة نفس
استغربتي وجيتي تدوري عليا وفاكرة إني هضيع من بعدك؟.. أحب أطمنك يا هبة، ربنا سبحانه وتعالى أرحم بكتير على عباده وكان رحيم بيا. الناس الغريبة هى اللى وقفت جنبى وسندتني.. بتاع الخضار، وبتاع الفراخ، والجزار، وحتى جيرانى اللى هنا.. كلهم عاملونى بما يرضى الله، إدوني الحاجة اللى طلبناها وحاسبونى عليها بالآجل وبراحتي، من غير ما يذلوني بكلمة!
سكتت ثوانى تاخد نفسها، وكملت وهى باصة لى بعيون لامعة
ومرة فى مرة.. الحمد لله ربنا كرمنى، وبقيت أعمل أوردراتى وأكسب، وبقيت أنا وولادي بناكل أحلى وأطيب أكل من تعب إيدي وشغلى الحلال.. ده غير إنى سبت الشغل القديم اللى كنت بطلع روحي فيه بمقابل بسيط، واشتغلت فى مكان تاني أحسن بكتير بمرتب أكبر، وواحدة جارتنا هنا هى اللى دلتني عليه وساعدتنى أقدم فيه!
ابتسمت بابتسامة وجع قديمة، وقالت وهى بتبص فى عينى دغري
ويوم ما كنت عندك، ومشيت من بيتك وأنا منكسرة ومقهورة، وتعبانة وجسمي سخن من المرض، الجيران شافوني وأنا طالعة عيوني غرقانة دمع وشكلي يصعب على أي حد. ما استنوش ولا ثانية، عملولي أكل سخن ليا ولولادي وكفونا وزيادة عشان صعبت عليهم.. مش عشان باخد بواقي أكل وببص لها على إنها فضل!
كلماتها نزلت على قلبى زى أقوى صدمة.. حسيت إنى أصغر مخلوق على وجه الأرض، وإني بدل ما أكون ضهرها وسندها، كنت أكتر إنسانة قست عليها وكسرتها.. بس للأسف، بعد ما فات الأوان وفهمت الدرس بالطريقة الصعبة.
وقفت مكانى، حاسة كأن جبل وقع فوق راسى.. الكلام نزل عليا تقيل ومؤلم. بصيت لها وهى واقفة قدامى بشموخها وعزتها اللى كبرت فى عينى أضعاف مضاعفة، وفى نفس اللحظة حسيت إن دموعى نزلت لوحدها على خدودى بلا كبرياء وبلا غرور.
حسيت إن لسانى اتقل فى بؤقى، ووقفت أبلع ريقى وأحاول أنطق بحرف واحد أتبرر بيه وأقول أى كلام يصلح شوية من القسوة اللى ارتكبتها، بس الحروف هربت منى ومكنتش عارفة أقول إيه ولا أبدأ منين.
قبل ما ألحق أطلع كلمة، لقتها كملت كلامها وهى باصة لى بعيون ثابتة، وقالت بصوت هادئ قطع قلبى
دوري على تبريرات براحتك يا هبة، وماتتعبيش نفسك فى الكلام.. اللى بينى وبينك عضم التربة ودم أبونا وأمنا.. لكن أنا

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى