
تزوجني علي زوجته لانها تنجب بنات
**الجزء الثاني: انقلاب الموازين.. وسقوط الوهم**
بعد شهور قليلة من طردها واختفائها، بدأت حاجات غريبة تحصل في البيت. أحمد مبقاش زي الأول؛ بقى سرحان طول الوقت، وضحكته اللي كانت مالية البيت اختفت، وبقى كل ما يسمع صوت ضحكة بنت صغيرة في الشارع يقف مكانه ويسكت فجأة وعينه تلمع بالحزن.
وفي ليلة شتوية، صحيت على صوت بكاء مكتوم جنب مني. فتحت عيني، لقيت أحمد قاعد على السرير وماسك راسه بإيديه وبيعيط بوجع. أول مرة أشوف الراجل ده في الحالة دي. سألته بخضة واستغراب: “مالك يا أحمد؟ في إيه؟” مسح دموعه بسرعة وقال بعصبية مزيفة: “مفيش.. نامي”.
لكن الواضح إن فيه سر كبير مخبيه. من اليوم ده، بقى يخرج كل يوم بعد الشغل لساعات طويلة بدون ما يقولي رايح فين، ولما أسأله يرد بغضب وأعصاب تلفانة: “متدخليش في اللي ملكيش فيه!”.
لحد ما جه يوم، رجع فيه البيت وشُه أصفر كأنه شاف شبح، ودخل الأوضة وقفل على نفسه. بعد ساعات من السكتة الطويلة، خرج وهو ماسك ظرف قديم مصفر. رماه قدامي على الترابيزة وقال بصوت ميت: “اقري ده.. واعرفي عملتي إيه فينا”.
فتحت الظرف وأنا قلبي بيدق بسرعة. لما طلعت أول ورقة وشفت خط إيد أسماء، حسيت إن الدم اتجمد في عروقي. كانت كاتبة:
*”إلى الزوج اللي افتكرت إنه سندي.. أنا عمري ما زعلت من قضاء ربنا إن عيالي بنات، بس اللي كسرني هو إنك بعتني وصدقت الكدب السهل. أنا ماشية ومش هتشوف وشي تاني، بس قبل ما أمشي لازم تعرف الحقيقة اللي خبيتها عليك سنين طويلة عشان أحميك من صدمتك.. التحاليل دي بتثبت إنك عندك عقم كامل من يوم ما اتجوزنا، وبناتي التلاتة دول أنا متبنياهم من ملجأ واتفقنا نداري على بعض ونربيهم كأنهم من صلبك.. الولد اللي طاير بيه ده معجزة أو حاجة تانية تخصك أنتِ يا هدى.. دوري ورا نفسك”.*
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. حسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت لأحمد اللي كان بيبصلي بنظرة كلها كره وغُل عمره ما ظهر في عينه قبل كده. سحب من إيدي باقي الأوراق.. كانت تقارير طبية قديمة من سنين بتثبت مرضه، ومعاها تقارير جديدة هو لسه عاملها لوحده في السر بعد ما لقى الرسالة دي في هدوم قديمة لأسماء سبتها بالغلط في الشقة التحتانية.
زعق في وشي بصوت هز جدران البيت: “الولد ده ابن مين؟! أنطقي! أنا طول السنين دي كنت عايش في كذبة ومضحوك عليا؟!”
وقعت على ركبي، وبكيت بحرقة وأنا بحلف له بكل غالي: “والله ابنك! والله ما عرفت راجل غيرك! التحاليل دي اكيد غلط.. أنت أبو ابني الوحيد!”.
لكن أحمد مكنش في وعيه من كتر الصدمة. مسكني من ايدي بعنف، ونزل بيا وبابني على أكبر معمل تحلليات في البلد وهو بيصرخ: “النهارده هعرف مين فيكم اللي دمر حياتي!”.
مرت تلات أيام كأنهم سنة، لا دقت النوم ولا عرفت أكل، وكنت ببص لابني وأنا حاسة بذنبه. وفي اليوم الرابع، رجع أحمد وفي إيده التقرير. دخل وشه خالي من أي تعبير، هدوء مرعب. حدف التقرير في وشي وقال ببرود قاتل: “التحليل أثبت إن الولد ابني.. معجزة طبية نادرة.. ربنا أراد يديني الولد من صُلبي بعد سنين اليأس.. بس ربنا كشفلي كمان حقيقتك أنتِ.. كشفلي إنك خربتي بيت ست صانت عيوبي وسكتت على وجعها عشان تحافظ على كرامتي قدام الناس”.
اتنفست الصعداء بغباء وقلت له وأنا بعيط: “الحمد لله.. يعني صدقتني؟ أنا بحبك وعملت كل ده عشان تفضل ليا!”.
قاطعني بضحكة مرة وقال وهو بيبصلي بقرف: “أنا طلقّتك يا هدى.. طلاق غيابي خلصته من شوية. أنتِ والولد مالكمش مكان هنا. أنا هدور على أسماء وبناتي لو هلف عليهم مصر كلها كعب داير، وهبوس تراب رجلين الست اللي صانتني وصانت سري، وأنتِ اطلعي برة بيتي فوراً”.
لميت هدومي والدموع عامية عيني، وخرجت من الشقة وأنا شايلا ابني على كتفي. نزلت السلم وبصيت لشقتها التحتانية.. كانت ضلمة وخالية. افتكرت يوم ما كانت واقفة مكسورة ومحدش جنبها. خرجت للشارع في نص الليل، الهوا كان ساقع، والولد بدأ يعيط، ومكنتش عارفة هروح فين ولا مين هيسترني أنا وابني. تذكرت جملتها وهي بتقول “مليش حد في الدنيا”.. ودلوقتي أنا بقيت مكانها، من غير سند ولا زوج، وبإيدي اللي هدمت بيتي.
—
**الجزء الثالث: التائهون في ممر الندم**
قعدت على رصيف هادي في أول الشارع، ضامة ابني لصدري وأنا ببكي بحرقة. كل دمعة نزلت من عين أسماء زمان، كانت بتتحول دلوقتي لسهم في قلبي. افتكرت لما كانت بتقولي أنا مستعدة أكون خدامتك، ودلوقتي أنا اللي مش لاقية ركن يحميني أنا وابني.
قضيت الليل في لوكاندة رخيصة من فلوس دهب الصغير اللي كان معايا. في نفس الوقت، كان أحمد بيعيط ندماً في شقته الفاضية، وبدأ رحلة بحث مجنونة عن أسماء وبناته. راح للملجأ، وسأل في كل مكان تعرفه. كان بيمشي في الشوارع زي التايه، ماسك صورة البنات ويسأل عليهم. ندمه كان بياكل روحه.
بعد أسبوعين من التدوير، تليفون أحمد رن من واحد صاحبه قاله: “أحمد، أنا شفت أسماء والبنات في منطقة شعبية على أطراف القاهرة، شغالة في مشغل خياطة وقاعدة في أوضة بسيطة على السطوح”.
أحمد طار بالعربية للمكان، وطلع السلم المهدود لحد ما وصل للباب الموارب. بص من الشق، شافها قاعدة على مكنة خياطة وعينها مجهدة، والبنات حواليها بيذاكروا على نور لمبة ضعيفة. دخل وهو بينهج ودموعه سبقت كلامه. أول ما شافته، وقفت مصدومة، والبنات جريوا استخبوا وراها.
وقع أحمد على ركبه قدامها وقال بصوت مكسور: “سامحيني يا أسماء.. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إنك سترتيني وأنا بعتك.. ارجعي معايا، البيت بيتك، وأنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي أنتِ والبنات”.
أسماء بصتلها بهدوء، مكنش فيه كره، بس كان فيه برود كسر قلبه أكتر. مسحت دموع بنتها الصغيرة وقالت: “أنا سامحتك بيني وبين ربنا يا أحمد، بس الرجوع مستحيل. اللي اتكسر جوانا مبيصلحوش ندم. أنا هنا بربي بناتي بلقمة حلال ومستورة”.
أحمد صرخ بوجع: “عشان خاطري.. ربنا كرمني بالولد من هدى، بس أنا طردتها لما عرفت حقيقتها.. أنا مش عايز غيركم!”.
لما سمعت سيرة هدى، بصت له بعتاب وقالت جملة وقعت عليه كالصاعقة: “طردت هدى وابنك؟ بعت التانية زي ما بعت الأولى؟ أنت لسه مَتعلمتش الدرس يا أحمد؟”.
في الناحية التانية، كنت أنا قاعدة في اللوكاندة وفلوسي خلصت. في لحظة يأس، قررت إني لازم أرجع للبيت.. مش عشاني، عشان ابني ميتشردش. شلت سيف ورجعت للبيت. فتحت باب الشقة بمفتاحي القديم اللي نسيته معايا، وطلعت.. لكن الصدمة كانت إن أحمد كان قاعد في الصالة، ومعاه أسماء والبنات التلاتة!
—
**الجزء الرابع: مواجهة الحساب والعدل الإنساني**
أول ما أحمد شافني وشاف الولد في إيدي، عينيه اتملت غضب، وقام صرخ فيا: “إنتِ إيه اللي جابك هنا تاني؟ مش طردتك؟! ميبقاش ليكي عين تيجي بعد كل اللي عملتيه!”.
قرب مني بيحاول يخرجني برة الشقة، وسيف بدأ يبكي من الرعد. كنت بعيط وبستعطفه: “عشان خاطر ابنك.. ماليش مكان أروح فيه والفلوس خلصت!”.
لكن في اللحظة دي، حصلت المفاجأة. إيد هادية مسكت دراع أحمد ومنعته من طردي. بصيت ورايا ومكنتش مصدقة.. كانت **أسماء**.
أسماء وقفت قدامي وقالت بصوت حازم وهادئ: “سيبها يا أحمد.. كفاية ظلم لحد كده”.
أحمد بص لها بذهول: “إنتِ بدافعي عنها يا أسماء؟ دي اللي تتبلت عليكي!”.
أسماء لفت وبصتلي، وعينها جت في عيني. أنا وطيت في الأرض من الكسوف. مدت إيديها بهدوء، وأخدت سيف مني بحنان وضمتُه لصدره لحد ما سكت، وقالت لأحمد: “الست دي غلطت في حقي، وربنا جابلي حقي منها.. لكن الواد ده ملوش ذنب، ده ابنك ومن صُلبك.. الولد اللي فضلت تدعي ربنا يرزقك بيه.. ترميه في الشارع عشان تعاقب أمه؟”.
أحمد قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبكى بحرقة: “أنا مش قادر أبص في وشها.. بفتكر إني ظلمتك وصدقتها”.
أسماء حطت سيف على حِجره وقالت: “لو عايزني أسامحك بجد يا أحمد، لازم تتقي الله في ابنك.. هدى خلاص أخدت جزاءها، وأنا مش هسيب بناتي يتربوا في مكان فيه غل. أنا وافقت أرجع الشقة اللي تحت ليك وللبنات، بس الولد ده وأمه يعيشوا في الشقة اللي فوق بمعزة وأمان، وأنت صلح غلطتك بالعقل والدين”.
أنا وقعت على رجلين أسماء وبكيت بانهيار: “سامحيني.. أنا كنت عامية”.
بعدت عني بهدوء وقالت: “أنا مش عايزاكي تبوسي إيدي.. أنا بس بفكرك إن الدنيا دوارة، واللي بتظظلميه النهارده، ممكن يكون هو السند ليكي بكرة”.
أحمد بصلي وقال بصوت جاف: “هتقعدي في الشقة اللي فوق عشان ترضعي ابنك وتاخدي بالك منه.. مالكيش أي حقوق تانية عندي دلوقتي”. وافقت وأنا بحمد ربنا إن ابني لقى سقف.
—





