
القائدة
— جدتي بتقول إنها سابتني وأنا صغير علشان عندها شغل مهم.
الجملة كسرت قلبها.
“شغل مهم…”
هي اختارت العمل… وتركته.
فتحت درج المكتب وأخرجت ظرفًا به مال:
— خده.
لكن الطفل تراجع:
— لا يا فندم… بابا كان بيقول اللي ياخد حاجة من غير تعبها عمره ما يحس بيها.
تجمدت نادية.
نفس كلام حسام.
خلعت حذاءها فجأة وقالت:
— طيب اشتغلهم هنا.
بدأ آدم يلمّع الحذاء بهدوء، وهي تراقبه بدموع تحاول أن تخفيها.
بعد انتهائه، أصبح الحذاء لامعًا جدًا.
— شاطر جدًا… زي أبوك.
رفع عينيه:
— إنتِ عرفتي بابا؟
نظرت بعيدًا:
— أيوه… كنت أعرفه كويس.
ثم بدأت التحقيقات السرية، وتأكدت الحقيقة الصادمة… هذا
الطفل هو ابنها.
لم تنم تلك الليلة.
وفي الصباح ذهبت إلى بيت قديم في حي شعبي حيث تعيش الجدة.
فتحت لها “الحاجة زينب” الباب، وعينيها مليانة حزن وغضب.
— جيتي بعد ما كل حاجة انتهت؟
— أنا جاية أعتذر… وأصلح اللي أقدر عليه.
لكن الجدة قالت بحدة:
— الاعتذار ما بيرجعش اللي مات، ولا بيعوض طفل عاش يتيم وهو أبوه وأمه عايشين.
سكتت نادية… لم تدافع عن نفسها.
بدأت الأيام تتغير.
سجلت الطفل في مدرسة جيدة، تكفلت بعلاج الجدة، ومنعت عمل الأطفال حول الأقسام.
لكن آدم لم يكن يعرف الحقيقة بعد.
كانت نادية تمر عليه أحيانًا، تساعده، تراقبه من بعيد، بينما هو بدأ يتعلق بها دون أن يعرف السبب.
وفي يوم، وجد صورة قديمة في بيت الجدة… صورة لوالده وهو يحمل طفلًا صغيرًا مع امرأة شرطية.
جاء إلى القسم وهو يركض:
— إنتِ أمي؟
سؤال واحد فقط… لكنه هدم كل شيء.
نادية وقفت أمامه، دموعها لا تتوقف:
— أيوه… أنا أمك.
— ليه سبتيه؟
سؤال لا يمكن الهروب منه.
ركعت أمامه:
— كنت غلطانة… كنت ضعيفة… وكنت فاكرة إن الشغل أهم من البيت… لكن أنا خسرتك.
سكت الطفل طويلًا، ثم قال:
— أنا كنت محتاجك.
حضـ,نته لأول مرة.
ومن يومها، لم تعد القصة عن شرطة وطفل فقير فقط…
بل عن أم ضيعت ابنها، وابن ضاع عمره يبحث عن حضن لم يصل إليه إلا متأخرًا.
ومع الوقت، تعلم آدم أن يسامح… ببطء.
وتعلمت نادية أن تكون أمًا… بعد فوات الأوان.
لكن الحب، عندما يعود… حتى لو متأخرًا… يظل قادرًا على إنقاذ ما تبقى من الحياة.
تمت حكايات راقية





