قصص قصيرة

حصانٌ بسلسلة في الصحراء وطفل فقير… قصة حقيقية هزّت القلوب

كان صبي يعثر على حصان مقيد في الصحراء لكنه لم يكن حصانا عاديا.
كان دييغو راميريز يسير في الصباح بحثا عن أغصان يابسة عندما سمع صوتا ضعيفا قادما من بين الصخور البعيدة. توقف الصبي ذو الاثني عشر عاما ومسح العرق عن جبينه بظاهر يده المتسخة بالتراب. كانت عائلته بحاجة إلى الحطب لطهي الغداء لكن ذلك الأنين الخافت أثار فضوله. وعندما اقترب من الصخور المتناثرة في الأرض القاحلة شعر دييغو بانقباض شديد في قلبه.
كان هناك حصان نحيل للغاية مستلق بين الصخور وسلسلة ثقيلة مربوطة حول عنقه. كانت عيناه مفتوحتين إحداهما زرقاء بلون السماء والأخرى بنية بلون الأرض الجافة وعلى جبهته علامة غريبة تشبه رسما صنع بحديد محمى.
قال دييغو هامسا وهو ينحني ببطء حتى لا يفزع الحيوان
يا إلهي.
حرك الحصان رأسه نحو الصبي وأصدر صوتا خافتا كأنه يطلب المساعدة. لاحظ دييغو بوضوح بروز أضلاع الحيوان تحت فرائه الداكن كما رأى علامات حمراء على ساقيه حيث جرحت السلسلة جلده.
قال دييغو وهو يمد يده الصغيرة نحو خطم الحصان
من الذي فعل بك هذا
شم الحصان أصابع الصبي ثم وضع خطمه في راحة يده. شعر دييغو أن تلك العينين المختلفتين تتوسلان النجدة ولم يستطع قلبه الصغير أن يتجاهل تلك الاستغاثة الصامتة. حاول دييغو سحب السلسلة لكنها كانت أثقل من أن تتحملها يداه الصغيرتان. كان الحلق الذي يقيد الحيوان ملحوما بحلقة حديدية مغروسة في صخرة كبيرة.
شد وجذب حتى احمرت يداه لكنه لم ينجح في تحريكها ولو قليلا.
قال دييغو وهو يلمس رأس الحصان بحنان
سأذهب لأبحث عن مساعدة. لن أتركك هنا أعدك.
ركض الصبي عائدا إلى المنزل وهو يحمل فقط بعض الأعواد الرفيعة التي التقطها في الطريق. وعندما وصل إلى البيت الصغير المصنوع من الطين حيث يعيش مع والدته دونيا روزا وأخويه الأصغرين بيدريتو وصوفيا كان يلهث وقد امتلأت عيناه بالقلق.
قال
أمي وجدت حصانا مقيدا هناك بين الصخور. إنه نحيل ومصاب ويحتاج إلى مساعدة.
رفعت دونيا روزا رأسها من القدر الذي كانت تحرك فيه فاصولياء مائية ونظرت إلى ابنها بعينين مرهقتين.
قالت
دييغو يا بني هل بدأت تختلق القصص الآن
رد الصبي بسرعة
لا يا أمي الأمر حقيقي. الحصان على وشك الموت. هناك من قيده وتركه هناك.
تنهدت المرأة التي تجاوزت الأربعين بقليل ومسحت يديها بمئزرها المرقع.
قالت بصوت متعب
يا بني نحن بالكاد نجد ما نأكله. لا أستطيع التدخل في أمر حصان يخص أحدا وخاصة إذا كان مقيدا. لا بد أن أحدهم وضعه هناك لسبب.
قال دييغو بإلحاح
لكن يا أمي
قاطعته
دييغو انس أمر ذلك الحصان واذهب للبحث عن مزيد من الحطب. سيعود والدك قريبا ويجب أن يكون الغداء جاهزا.
أطرق دييغو رأسه لكنه في داخله كان يعلم أنه لن يستطيع نسيان تلك العيون المتوسلة. وعندما لم تكن والدته تنظر أخذ زجاجة ماء وقبضة من العشب الذي ينمو في فناء البيت ووضعهما في جيب بنطاله القديم.
قال لها
سأذهب للبحث عن مزيد من الحطب
وخرج مسرعا قبل أن تتمكن من منعه.
عاد دييغو إلى الصخور فوجد الحصان في الوضع نفسه لكن هذه المرة كانت عيناه مغمضتين. تسارع قلب الصبي خوفا من أن يكون الحيوان قد توقف عن التنفس لكنه عندما اقترب رأى صدره يرتفع وينخفض ببطء.
قال بصوت خافت وهو يجثو بجانبه
مرحبا عدت.
فتح الحصان عينيه ونظر إلى دييغو بنظرة لم ير الصبي مثلها من قبل. كانت مزيجا من الامتنان والحزن.
سكب دييغو قليلا من الماء في كفه وقدمه للحصان فشرب بنهم حتى آخر قطرة. ثم قدم له العشب فبدأ يمضغه

ببطء كأن كل ورقة كنز ثمين.قال دييغو وهو يربت على عنق الحيوان
أنت تفهمني عندما أتكلم أليس كذلك عيناك مختلفتان لم أر حصانا بعيون زرقاء من قبل.
أسند الحصان رأسه إلى صدر الصبي وشعر دييغو بارتباط غريب بذلك الحيوان المتألم كأنهما يتحادثان دون كلمات.
عندما عاد دييغو إلى البيت لاحظت والدته أنه تأخر كثيرا ولم يحضر إلا القليل من الحطب.
قالت
أين كنت يا ولد
أجاب
أجمع الحطب يا أمي.
ولماذا أحضرت القليل فقط
أنزل دييغو رأسه ولم يجب. تنهدت دونيا روزا وهزت رأسها فقد كانت متعبة أكثر من أن توبخه.
في تلك الليلة لم يستطع دييغو النوم وهو يفكر في الحصان الوحيد بين الصخور. وعندما عم السكون ونام الجميع نهض بهدوء وتوجه إلى المطبخ. أخذ مزيدا من الماء وبحث عن شيء يمكن أن يطعم به الحيوان. وفي منتصف الليل خرج خلسة من البيت وعاد إلى الصخور.
كان القمر بدرا يضيء الأرض كأنها نهار. كان الحصان مستيقظا كأنه يعلم أن الصبي سيعود.
قال دييغو وهو يقترب بحذر
هل كنت تنتظرني
أطلق الحصان صهيلا خافتا بدا كأنه صوت فرح. أعطاه دييغو ماء إضافيا وقدم له بعض الأوراق الخضراء التي وجدها قرب البيت.
قال الصبي
غدا سأحاول كسر تلك السلسلة. سأستعير أداة من العم مانويل.
بقي دييغو هناك أكثر من ساعة يربت على الحصان ويتحدث إليه بصوت منخفض. كان الحيوان يبدو وكأنه يفهم كل كلمة ويرد بحركات رأس وأصوات لطيفة. وعندما عاد الصبي إلى البيت نام بهدوء أكبر مطمئنا لأنه خفف قليلا من معاناة الحصان.
في اليوم التالي وبعد أن خرجت والدته لغسل الملابس عند البركة مع الجارات ذهب دييغو إلى بيت العم مانويل الجار الذي يمتلك بعض الأدوات.
قال
يا عم مانويل هل يمكنني استعارة أداة
أي أداة يا بني
شيئا يقطع الحديد مثل مبرد أو كماشة.
نظر العم مانويل وهو رجل في نحو الستين من عمره بشعر أبيض ويدين خشنتين إلى دييغو باستغراب.
قال
ولماذا تريد قطع الحديد
فكر دييغو بسرعة في كذبة لكنه قرر أن يقول جزءا من الحقيقة
وجدت حيوانا عالقا بسلسلة وأريد تحريره.
حيوان أي حيوان
كلب مهجور وجائع.
حك العم مانويل لحيته وأخرج مبردا قديما وكماشة صغيرة.
قال
خذها لكن أعدها قبل الظهر واحذر أن تؤذي نفسك.
قال دييغو بامتنان
شكرا لك.
ركض الصبي نحو الصخور والأدوات في يده. وعندما وصل رفع الحصان رأسه وأصدر ذلك الصوت السعيد الذي أصبح مألوفا.
قال دييغو وهو يجثو قرب السلسلة
اليوم سأحررك.
لكن عندما بدأ في برد الحديد أدرك دييغو أن الأمر سيستغرق وقتا أطول مما توقع. كانت السلسلة سميكة والمبرد القديم بطيئا جدا. وبعد ساعة كاملة لم ينجح إلا في إحداث خدوش صغيرة في المعدن.
قال وهو يمسح العرق عن جبينه
سيستغرق هذا أياما.
بدا الحصان وكأنه يفهم الصعوبة فوضع خطمه على يد الصبي كأنه يقول له إنه لا يستعجل. قضى دييغو الصباح كله يعمل على السلسلة ولا يتوقف إلا ليعطي الحصان ماء ولمسة حنان. وعندما اشتدت حرارة الشمس اضطر إلى التوقف والعودة إلى البيت لإعادة الأدوات.
قال العم مانويل عندما أعادها له
كيف حال الكلب
أجاب دييغو
لم أستطع تحريره بعد لكنني سأواصل المحاولة.
قال الرجل
إن احتجت مساعدة أخبرني فقط.
شكره دييغو وعاد مسرعا إلى البيت حيث وجد والدته تعد الغداء بوجه قلق.
قالت
أين كنت يا دييغو
ألعب مع الأولاد.
وأي لعبة هذه التي تستغرق كل هذا الوقت
كنا نستكشف الصخور.
نظرت دونيا روزا بعمق في عيني ابنها كأنها تشعر بأنه يخفي أمرا ما لكنها لم تقل شيئا.
أثناء الغداء سأل بيدريتو ذو الثمانية أعوام
دييغو لماذا أنت صامت هكذا
أجاب
لست صامتا.
قال بيدريتو
بلى أنت كذلك ووجهك يبدو قلقا.
وأضافت صوفيا ذات الستة أعوام
وأنت لم تأكل جيدا.
نظر دييغو إلى طبقه شبه الممتلئ وأدرك أنه فعلا لم يستطع الأكل وهو يفكر في الحصان الجائع.
قال
ليست لدي شهية اليوم.
قالت الأم بحزم
يا ولد كل طعامك. لا يجوز إهداره.
أنهى دييغو طعامه بصمت لكنه أخفى قطعة من دقيق الكسافا في جيبه عندما لم تكن أمه تنظر.
في فترة ما بعد الظهر عاد دييغو إلى الصخور وواصل محاولة قطع السلسلة. كان العمل بطيئا وبدأت البثور تظهر على يديه الصغيرتين من كثرة الاحتكاك بالمبرد لكنه لم يستسلم. بدا الحصان أكثر نشاطا وحاول حتى أن ينهض عندما رأى دييغو يقترب لكنه كان لا يزال ضعيفا جدا. ارتجفت ساقاه الخلفيتان وسقط من جديد.
قال دييغو وهو يربت على عنقه
اهدأ لا تجهد نفسك. عندما أحررك سيكون لديك الوقت لتستعيد قوتك.
قدم له الدقيق فأكله بشهية ثم شرب المزيد من الماء وترك دييغو يربت على رأسه طويلا.
قال الصبي وهو يتأمل الحصان
لا بد أنك كنت جميلا أليس كذلك
لاحظ أنه رغم نحوله كان للحصان بنية جيدة ويبدو أنه كان معتنى به في السابق. كانت خصل شعره ناعمة رغم اتساخها.
وعندما عاد دييغو إلى البيت في نهاية النهار وجد والدته تتحدث بصوت منخفض مع دونيا كارمن الجارة الكبيرة في السن في القرية.
كانت دونيا كارمن تقول
مرت من هنا اليوم سيارة جميلة.
وتابعت امرأة أنيقة كانت تسأل عن خيول مفقودة.
شعر دييغو بأن قلبه بدأ يخفق بعنف فاختبأ خلف الباب ليصغي بشكل أفضل.
قالت دونيا روزا باهتمام
وما نوع الأسئلة التي كانت تطرحها
أجابت دونيا كارمن
كانت تسأل إن كان أحد قد رأى حصانا بصفات خاصة. قالت إنها تدفع جيدا مقابل أي معلومة.
سألتها دونيا روزا
وما تلك الصفات

1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى