
حملت وانا ٦١ سنة
عمري ما تخيلت إن في يوم، وأنا داخلة على الواحد والستين من عمري، هسمع دقات قلب طفل صغير جوايا من جديد ولا تخيلت إن الحمل اللي كل الناس اعتبروه معجزة من ربنا، هيكون هو نفسه السبب اللي هيكشف عن كان بيكبر جوا جسمي في صمت من سنين! لكن أغرب حاجة حصلتلي، إن قبل ما أعرف الحقيقة، كنت بحلم كل ليلة ببنتي اللي من أربع سنين، وكانت بتقولي نفس الجملة اللي لحد النهارده مش قادرة أنساها ماما لازم تلاقيه! وقتها كنت فاكرة إن الحلم مجرد ۏجع فراق، وإن عقلي مش قادر يتقبل إن بنتي الصغيرة مشيت وسابتني لوحدي. لكن بعد اللي حصل، بقيت كل ما
أبص لابني الصغير وهو نايم في ، أسأل نفسي سؤال واحد يا ترى بنتي كانت بتحاول تقولّي إيه؟ وهل فعلًا الحمل ده كان مجرد معجزة، ولا كان وراه سر أكبر من قدرتي على الفهم؟! الحكاية بدأت قبل ما أحمل بشهور طويلة
الجزء الأول الحلم اللي كان بيطاردني كل ليلة
اسمي مارجريت، وعشت مع جوزي توماس سنين طويلة، كان فيها الحلو والمر، والضحك والدموع، وأيام حسيت فيها إن الدنيا كلها بتضحك لنا، وأيام تانية تمنيت لو الزمن يرجع بيا
دقيقة واحدة بس عشان أغير حاجة حصلت.
كان عندنا بنتين، الكبيرة كبرت واتجوزت وبقى ليها بيتها وحياتها، والصغيرة إيميلي كانت روح البيت ونوره.
إيميلي كانت عندها خمستاشر سنة لما ماټت.
خمستاشر سنة بس!
لسه في أول حياتها، ولسه قدامها أحلام كتير، ولسه كانت بتتكلم عن الجامعة اللي نفسها تدخلها، والبلد اللي نفسها تسافرها، والفستان اللي نفسها تلبسه يوم فرحها.
كانت بنت مليانة حياة، بتحب الضحك، وبتحب تسأل عن كل حاجة، وعندها فضول يخليها تفتح أي كتاب تلاقيه قدامها.
كنت لما أدخل أوضتها ألاقي الكتب مرمية على ، والرسومات على المكتب، وصور أصحابها متعلقة على الحيطة.
وكانت كل ما تشوفني متضايقة، تيجي تحضني من غير ما تسألني مالك، وتقول لي
ماما، إنتِ عارفة إنك أحلى أم في الدنيا؟
كنت أضحك وأقول لها
وإنتِ عارفة إنك أكتر بنت بتتعبني في الدنيا؟
فتضحك وتجري تحضني تاني.
ما كنتش أعرف إن في يوم، هقف في نفس الأوضة دي، وأبص على سريرها الفاضي، وأتمنى لو أسمع صوتها وهي بتطلب مني أي حاجة، حتى لو كانت حاجة تافهة.
في يوم عادي جدًا، إيميلي اشتكت من صداع شديد.
في البداية،
افتكرت إنه إرهاق من المذاكرة، أو إنها ما أكلتش كويس.
قلت لها ترتاح شوية وتشرب مية، لكن الصداع زاد، وبدأت حالتها تتغير، واضطرينا نروح المستشفى.
بعد فحوصات كتير، اكتشفنا إن عندها مشكلة خطېرة في المخ ما كانتش متشخصة قبل كده.
وفجأة، حياتنا كلها اتقلبت.
مستشفيات، وأطباء، وتحاليل، وانتظار قدام أبواب غرف الفحص، ودعاء ما كانش بيخلص.
كنت كل ليلة أقعد جنب سريرها، أمسك إيديها وأقول لها
هتخفّي يا حبيبتي، وهترجعي بيتك، وهتزعجيني تاني زي الأول.
كانت أوقات تفتح عينيها وتبتسم لي، وأنا كنت أعتبر الابتسامة دي وعد منها إنها مش هتسيبني.
لكن في النهاية، إيميلي ماټت.
واللحظة دي أخدت معاها جزء مني ما رجعش أبدًا.
من يومها، البيت بقى هادي زيادة عن اللزوم.
أوضتها فضلت زي ما هي، هدومها في الدولاب، كتبها على المكتب، وصورتها الصغيرة جنب السرير.
كنت كل يوم أعدّي من قدام الأوضة، وأقول لنفسي إني لازم أدخل أرتبها، لكن رجلي كانت بتقف عند الباب ومش بتقدر تخطّي العتبة.
أما توماس، فكان بيحاول يتماسك قدامي.
عدّت شهور، وبعدها سنة، وبعدها أربع سنين.
والۏجع ما راحش.
اتعلمت أضحك تاني، وأخرج، وأتكلم مع الناس، لكن كان في حتة جوايا فضلت واقفة عند اليوم اللي فقدت فيه بنتي.
وبعد أربع سنين من ۏفاتها، بدأت الأحلام.
في البداية، كان حلم واحد كل كام يوم.
ألاقي نفسي ماشية في ممر طويل وضلمة، وفي آخر الممر أسمع صوت طفل صغير بيعيط.
كنت أجري ناحية الصوت، لكن كل ما أقرب، الممر يطول أكتر.
وأفضل أدور على الطفل، لحد ما أسمع صوت إيميلي ورايا.
ألف بسرعة، فألاقيها واقفة بعيد، بنفس ملامحها اللي فاكرها، وشعرها، وابتسامتها الهادية. كانت تبص لي وتقول ماما لازم تلاقيه! وبعدين تختفي. قعد جنبي وقال مارجريت، مالك؟ إنتِ بقالك فترة مش طبيعية. كل ليلة وقال
يا حبيبتي، إنتِ لسه موجوعة من اللي حصل. مفيش حاجة غريبة في إنك تحلمي بإيميلي. إحنا الاتنين وحشانا.
هزيت راسي، لكن كان في حاجة مش عارفة أشرحها. الحلم ما كانش مجرد إيميلي بتظهر لي.
كانت بتطلب مني أدور على حد.
طفل.
طفل أنا مش عارفة هو مين، ولا فين، ولا ليه بنتي بتقول لي إني لازم ألاقيه.
وبعد كام أسبوع من الأحلام دي، بدأت فكرة غريبة تكبر جوايا.
فكرة كنت بخاف أقولها حتى لنفسي.
أنا عايزة طفل تاني.
الجزء التاني لما قلت لجوزي إني عايزة أبقى أم من جديد
في البداية، حاولت أطرد الفكرة من دماغي.
قلت لنفسي إن عمري واحد وستين سنة، وإن المرحلة دي من حياتي انتهت.
أنا ست عندها بيت، وأحفاد من بنتي الكبيرة، وحياة مستقرة، والمفروض أكون اتعودت على فكرة إن أيام الحمل والولادة بقت من الماضي.
لكن كل ما أحاول أنسى الفكرة، كانت ترجع أقوى.
كنت أشوف طفل صغير في الشارع، فأفضل باصة عليه.
أسمع بكاء رضيع في مكان عام، فأحس بشيء غريب جوايا.
وأدخل أوضة إيميلي، فألاقي نفسي بتخيل سرير
طفل صغير في الركن الفاضي.
لحد ما في يوم، وأنا قاعدة مع توماس على العشا، قررت أتكلم.
بصيت له وقلت
توماس، أنا عايزة أخلف طفل تاني.
الشوكة وقفت في إيده.
رفع عينيه وبصلي، وكأنه مستني يسمع بقية الكلام، أو مستني أضحك وأقول له إني بهزر.
لكني ما ضحكتش.
قال بعد لحظات
إنتِ بتتكلمي بجد؟
قلت له
أيوه.
حط الشوكة على الطبق، وسند ضهره للكرسي.
مارجريت، إنتِ عندك ستين سنة، وأنا عندي سبعة وستين. إحنا مش صغيرين، والحمل في السن ده ممكن يكون قلت
أنا عارفة إن الموضوع صعب، وعارفة إننا لازم نسمع كلام الدكاترة. أنا مش بقول لك نعمل حاجة من غير ما نفكر. أنا بس عايزة نعرف إذا كان في أمل ولا لأ.
فضل ساكت شوية، وبعدين سألني السؤال اللي كنت خاېفة منه
هل ده بسبب إيميلي؟ هل إنتِ عايزة طفل تاني عشان تعوضي غيابها؟
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.





