قصص قصيرة

روحت لبيت طليقي محمد نور

إنتِ اللي ظلمتي مريم من البداية؟
نجلاء ما ردتش.
وفي اللحظة دي، المحامية نهى طلعت مستند جديد.
كانوا قدروا يوصلوا لمحل دهب قديم في القاهرة، واتضح إن فيه عقد دهب بنفس المواصفات اتباع هناك بعد واقعة السړقة المزعومة بأسابيع.
والأوراق المستخدمة في عملية البيع كانت مرتبطة ببيانات نجلاء نفسها.
فؤاد السيوفي بطل يتكلم.
وبقى واضح إن الموضوع مش مجرد خلاف عائلي، لكنه ممكن يكون چريمة فيها تزوير واستيلاء على أموال وإخفاء مستندات.
انتهى الاجتماع بتحرير محضر رسمي، وإيقاف إجراءات التوكيل، وبدء التحقيق في التحويلات المالية والمستندات المزورة والظروف اللي اتنقلت فيها الحاجة نوال من مكان لمكان.
أحمد ما حسش بالانتصار وهو بيشوف أخته بتخرج عشان تدلي بأقوالها.
كل اللي حس بيه كان حزن كبير.
حزن على أمه اللي اتعرضت لكل ده، وعلى مريم اللي اتظلمت، وعلى ابنه اللي كبر من غير أب، وعلى السنين اللي ضاعت بسبب كدبة واحدة ورا التانية.
قبل ما نجلاء تخرج، وقفت وبصت له.
هتختار الخياطة دي على أختك؟! هتصدقها هي وتسيب أختك اللي عشت معاها عمرك كله؟!
أحمد رد من غير ما يعلي صوته
هي اللي فضلت جنب أمنا لما إنتِ خبّيتيها. أنا مش باختار بين شخصين يا نجلاء. أنا باختار إني أبطل أكذب على نفسي.
وسابها ومشي.
في نفس اليوم، رجع أحمد لمرسى مطروح.
المرة دي ما أخدش معاه سواق، ولا لبس بدلة غالية، ولا شال أي أوراق تخص الأرض.
كان رايح لبيته الحقيقي، حتى لو ما كانش عارف لسه إذا كان مسموح له يرجع له ولا لأ.
لما وصل، لقى يوسف قاعد تحت شجرة الزيتون، بيحاول يصلح عجلة العجلة بتاعته.
أول ما شاف أحمد، جري ناحيته.
إنت هتفضل معانا المرة دي؟
أحمد نزل على ركبته عشان يبقى في نفس مستواه.
طلع من جيبه الرسمة اللي يوسف كان اداهاله أول مرة. كانت متنية ومكرمشة من كتر ما فتحها وبص فيها.
أحمد فردها قدامه وقال
فاكر الراجل اللي إنت رسمته فوق العمارة دي؟
يوسف هز راسه.
أيوه، ده بابا.
أحمد حس بغصة في حلقه.
الراجل ده اتأخر أوي قبل ما ينزل من العمارة وييجي لك. بس خلاص، نزل وجالك.
يوسف فضل باصص له لمدة تلات ثواني، وبعدها بص ناحية مريم اللي كانت واقفة عند باب البيت.
مريم عينيها كانت مليانة دموع، لكنها هزت راسها له بابتسامة صغيرة.
يوسف رجع بص لأحمد وسأله
إنت بجد بابا؟
أحمد ابتسم وسط دموعه.
أيوه يا حبيبي. أنا بابا.
يوسف ما قالش أي حاجة تاني.
اندفع ناحيته وحضنه بقوة لدرجة إن أحمد وقع قاعد على الأرض.
فضل الولد متعلق برقبته، وبعد شوية همس في ودنه
أنا كنت عارف إن عينيك زي عينيّا.
أحمد ضحك وهو بيعيط.
أنا اللي المفروض أقول كده يا حبيبي.
في الشهور اللي بعدها، ما حصلتش معجزة خلت كل حاجة ترجع زي الأول في يوم وليلة.
مريم ما رجعتش لأحمد فورًا، وما سمحتلوش إنه يفتكر إن الفلوس ممكن تصلح كل حاجة.
أحمد بدأ يروح لهم كل نهاية أسبوع.
كان يوصل يوسف المدرسة، ويتعرف

على أصحابه، ويحضر له حفلة المدرسة، ويكتشف حاجات صغيرة عنه ما كانش يعرفها.
عرف إن يوسف بيكره البسلة، وبيحب الخرائط، وبيحلم لما يكبر إنه يصمم كباري كبيرة.
وأحمد، اللي كان فاكر إنه يعرف كل حاجة عن الحياة، اكتشف إنه ما يعرفش حتى نوع الأكل اللي ابنه بيحبه.
كمان بقى يرافق أمه في مواعيد الكشف والعلاج.
بعض الأيام كانت الحاجة نوال بتفتكره كويس، وتفتكر اسمه وطفولته وكل حاجة عاشوها مع بعض.
وأيام تانية كانت بتبص له وتفتكره أبوه، أو تناديه باسم أحمد وهو لسه شاب عنده خمسة وعشرين سنة.
في الأول، كان بيحاول يصحح لها.
لكن بعد فترة، بطل.
لما كانت تبص له وتقول
اتأخرت من الجامعة ليه يا أحمد؟
كان يبتسم ويرد
معلش يا ماما، بس أنا جيت أهو.
والحاجة نوال كانت تبتسم له، وكأن الدنيا رجعت بيها لوقت كانت فيه كل مخاوفها إنها ابنها يتأخر عليها شوية.
البيت فضل بسيط، لكنه ما بقاش حاسس إنه ضيق.
أحمد عرض على مريم إنه يشتري لهم فيلا قريبة من القرية، لكنها رفضت.
قالت له بوضوح
يوسف مش محتاج يتعلم إن كل حاجة بنحبها، أول ما تتعب أو تتخرب، نرميها ونجيب أغلى منها.
أحمد سكت، وبعدها قال
عندك حق. طب نصلح البيت بدل ما نسيبه؟
مريم فكرت شوية، وبعدين وافقت.
صلحوا السقف، وجهزوا حمام يناسب حالة الحاجة نوال، ورمموا الحوش.
وأحمد اشتغل مع الصنايعية بنفسه، والمفاجأة إنه كان لسه فاكر إزاي يخلط الأسمنت ويحط الطوب، رغم السنين الطويلة اللي قضاها بعيد عن شغل البناء بإيده.
وفي يوم أحد، وصل البيت ومعاه اتناشر شتلة ليمون صغيرة.
مريم خرجت من الباب وبصت للشتلات باستغراب.
إيه ده كله يا أحمد؟
ابتسم وقال
دي دَين قديم عليّا.
مريم عقدت حواجبها.
دين إيه؟
أحمد بص لها وقال
فاكرة لما كنا عايشين في شقة شبرا، وكنتِ بتحلمي يكون عندنا بيت صغير فيه جنينة ليمون؟ كنت بقول لك إني أول ما نبقى أغنيا هبني لك البيت ده.
ابتسمت مريم بحزن.
أيوه، فاكرة.
المشكلة إننا لما بقينا أغنيا، أنا نسيت الوعد.
مريم ما ردتش، لكنها قربت منه وأخدت واحدة من الشتلات.
وزرعوهم سوا في الحوش.
وفي نفس المكان اللي أحمد كان واقف فيه أول مرة بيدور على إمضا، زرعوا أول شجرة ليمون جديدة.
بعدها بكام أسبوع، وفي عصر هادي، أحمد قعد تحت شجرة الزيتون القديمة، وحط فنجان القهوة الأبيض المشروخ على الترابيزة.
مريم خرجت وقعدت قدامه.
أحمد بص للفنجان وقال
طول السنين اللي فاتت، كنت فاكر إن إنتِ اللي كسرتي حياتنا. كان أسهل عليّا أصدق كده من إني أعترف إني ما اتأكدتش من الحقيقة بنفسي.
مريم مررت صباعها على حافة الفنجان المشروخة.
وأنا كمان غلطت في حاجات. سيبت الخۏف يتحكم في قراراتي وقت أطول من اللازم.
أحمد هز راسه.
مش هطلب منك تنسي اللي حصل، ولا هقول لك إن السنين اللي ضاعت ممكن ترجع.
مريم بصت له في عينيه.
كمل كلامه
بس عايز أسألك سؤال واحد. ينفع أحاول أبني حاجة جديدة معاكي؟ واحدة واحدة، من غير محامين، ومن غير شروط، ومن غير ما نخبي عن بعض أي حاجة حتى لو كانت مکسورة؟
مريم فضلت باصة له وقت طويل.
وبعدين قالت
الأول خلّص الجنينة.
أحمد ابتسم.
يعني دي موافقة بس بشروط صعبة؟
مريم ضحكت لأول مرة من قلبها من سنين.
ده أقصى اللي ممكن تاخده مني النهارده.
عدت ست شهور.
شتلات الليمون كبرت شوية، وبدأت تظهر عليها أول زهور صغيرة.
ما كانش فيه فرح ضخم، ولا صور في المجلات، ولا استعراض للفلوس.
أحمد ومريم اتجوزوا من جديد في قاعة صغيرة في مزرعة قريبة

من القرية، وسط الجيران والأصحاب، ومعاهم شوية من زملاء أحمد في الشركة اللي كانوا عارفين قصته من أيام ما كان بيبدأ حياته من الصفر.
يوسف كان شايل الدبلتين، وماشي قدامهم بفخر.
أما الحاجة نوال، فكانت قاعدة في الصف الأول، لابسة فستان أزرق، وعلى رجليها بطانية خفيفة.
وفي وسط الفرح، جه لها وقت من اللحظات اللي كانت بتستعيد فيها ذاكرتها بوضوح.
بصت لأحمد، وبعدها بصت لمريم، وقالت له
المرة دي، ما تتأخرش عليها.
كل اللي قاعدين ضحكوا، لكن أحمد اضطر ينزل عينيه عشان يخبي دموعه.
بعد الغدا، ولما الشمس بدأت تغيب ورا الجبال، الحاجة نوال بدأت تدندن نفس التهويدة القديمة اللي كانت بتغنيها لأحمد وهو طفل.
يوسف ما كانش يعرف كلماتها، فقعد جنبها وطلب منها
تعلمه الأغنية.
وهي بدأت تغني له، كلمة كلمة، وهو بيردد وراها.
أحمد كان واقف في الحوش، بيتفرج على أمه وابنه تحت شجرة الزيتون.
على يمينه كانت عربيته اللي زمان كان بيعتبرها رمز النجاح.
وعلى شماله كانت فيه ترابيزة قديمة، وأصص زرع، وعجلة صغيرة، وفنجان قهوة أبيض فيه شرخ عند الحافة.
قربت منه مريم وهي شايلة فنجانين قهوة.
حطت واحد قدامه وسألته
سرحان في إيه؟
أحمد بص لأمه ويوسف، وبعدها رجع بص لها.
بفكر إني قضيت نص عمري ببني بيوت عشان أثبت للناس إني نجحت.
مريم ابتسمت.
ودلوقتي؟
أحمد أشار بعينيه ناحية أمه وابنه تحت شجرة الزيتون.
دلوقتي فهمت إن البيت مالوش أي قيمة، مهما كان كبير وغالي، لو إنت مش عارف مين اللي مستنيك جواه.
مريم حطت إيدها على إيده.
فضل فنجان القهوة المشروخ مستخدم سنين طويلة بعد كده.
ومحدش حاول يصلحه تاني.
ما كانش فيه داعي.
لأن أحمد، لأول مرة من سنين طويلة، فهم إن مش كل حاجة مکسورة لازم تتغير أو تترمي.
فيه حاجات بتفضل غالية، مش لأنها رجعت كاملة زي الأول، لكن لأن حد قرر يحافظ عليها، حتى بعد ما عرف كل الشروخ اللي فيها.
تمت النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى