قصص قصيرة

نامت من التعب

كل اللي كانت حاسة بيه هو إن جسمها خلاص مبقاش قادر يتحمل. حطت إيديها على شنطتها الصغيرة، وغمضت عينيها. قالت لنفسها إنها هتريح عينيها خمس دقايق بس. خمس دقايق وبعدها هتصحى. لكن جسمها كان له رأي تاني. بدأت الطيارة تتحرك على المدرج، وبعدها ارتفعت تدريجيًا في السما.

الشيخ راشد كان لسه بيقرأ المستندات، وبيكتب ملاحظات على جهازه اللوحي. أما إيما، فكانت دخلت في نوم عميق من أول الدقايق. كانت مرهقة لدرجة إنها مكنتش حاسة بصوت المحركات، ولا بحركة الركاب، ولا حتى بإعلان المضيفة عن بداية الرحلة. وبعد فترة قصيرة، الطيارة دخلت منطقة فيها اضطرابات هوائية بسيطة.

جسم إيما اتحرك مع اهتزاز الطيارة، وراسها مالت ناحية اليمين من غير ما تحس. وفي لحظة واحدة استقرت راسها على كتف الشيخ راشد. الحركة كانت عفوية تمامًا. إيما مكانتش قاصدة تقرب منه، ولا كانت عارفة حتى إنها سندت عليه.
لكن الشيخ راشد حس بوزن راسها على كتفه، فرفع عينيه عن الجهاز ببطء. بص ناحيتها. في البداية، افتكر إنها هتصحى في نفس اللحظة وتعتذر، زي ما بيحصل عادة لما حد ېلمس شخص غريب بالخطأ. لكنه اكتشف إنها نايمة بعمق شديد.

ملامحها كانت مرهقة، وشها شاحب، وإيديها متشابكة فوق شنطتها كأنها حتى وهي نايمة خاېفة تضيع منها الحاجة الوحيدة اللي معاها. الشيخ راشد فضل ساكت لثواني. وفي اللحظة دي، واحد من الحارسين لمح اللي حصل. قام من مكانه فورًا.

كان عارف إن الشيخ راشد مش بيحب حد يتجاوز مساحته الشخصية، حتى لو كانت مجرد حركة بسيطة من غير قصد. اقترب من الممر، وخفض صوته سيدي، تسمح لي أبعدها عن حضرتك؟ الحارس التاني قام هو كمان، ومستعد يتدخل لو اتطلب منه. بعض الركاب لاحظوا الحركة، وبدأوا يبصوا ناحية المقعد.

كانوا متوقعين إن الشيخ راشد يبعد البنت بعصبية، أو يصحيها بطريقة تخليها تحس بإحراج شديد. لكن اللي حصل كان مختلف تمامًا. الشيخ راشد رفع إيده بهدوء، من غير ما يبعد كتفها عنه، وقال بصوت منخفض لكنه حاسم محدش يلمسها. الحارس وقف مكانه.

لكن يا سيدي، هي الشيخ راشد رفع عينيه ناحيته. نظرة واحدة كانت كفاية تخليه يسكت فورًا. قلت محدش يلمسها. رجع الحارسان لمكانهما، وهما بيتبادلوا نظرات الاستغراب. أما الركاب اللي كانوا متابعين الموقف، فبقوا مش فاهمين حاجة.

إزاي الشيخ راشد، اللي معروف إنه مبيسمحش لأي حد يتجاوز حدوده، سايب بنت غريبة تنام على كتفه؟ وليه منع حراسه إنهم يصحوها؟ هل كان ناوي يتصرف معاها بنفسه لما تصحى؟ ولا في حاجة تانية محدش فاهمها؟ الأسئلة فضلت معلقة في الجو، لكن مفيش حد كان عنده الجرأة يسأله.

الشيخ راشد رجع بص لإيما. لاحظ إنها كانت بتتنفس بهدوء، وإن ملامحها بتتغير كل شوية كأنها بتحلم بحاجة مقلقاها. كان في تجعيدة صغيرة بين حاجبيها، وحتى وهي نايمة كانت إيديها مشدودة على شنطتها. لسبب ما، المنظر ده خلاه يفتكر أشخاص كتير شافهم في حياته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى