
السر اللي أمي خبّته عني خمسين سنة…
اللي أي أم بتتمنى تعرفها عن بنتها.
وأنا كنت بحكيلها.
مش عشان أعوض خمسين سنة في أيام، لكن عشان ما نضيعش الأيام اللي فاضلة.
أما أمي اللي ربتني، فكانت بتزورنا معايا.
في البداية، كان فيه توتر واضح بينهم. كل واحدة كانت بتحاول تتعامل مع التانية بحذر، وكأنهم لسه بيتعلموا إزاي يقفوا في نفس المكان من غير ما يرجعوا للماضي.
لكن مع الوقت، بدأوا يحكوا.
حكوا عن طفولتهم، وعن أمهم، وعن البيت القديم، وعن الأيام اللي كانوا بيضحكوا فيها من غير ما يفكروا في بكرة.
وفي يوم، وأنا قاعدة معاهم، سمعتهم بيضحكوا على موقف قديم حصل لهم وهما صغيرين.
بصيت لهم، وحسيت لأول مرة إن السنين اللي ضاعت مش لازم تفضل تضيع كل يوم.
لكن رغم كل ده، كان فيه شيء واحد لسه مضايقني.
الشنطة السودا.
كانت لسه موجودة عندنا في البيت، بكل اللي جواها الهدوم القديمة، والكاميرا، والخطابات، والصور.
قررت أطلع كل حاجة منها وأرتبها في صندوق واحد، عشان ما تبقاش مجرد شنطة مرتبطة بالصدمة اللي عشتها.
وأنا برتب الخطابات، لقيت ظرف صغير مستخبي في الجيب الداخلي للشنطة.
الظرف كان مختلف عن الجواب البني اللي شفته قبل كده. كان مقفول بشمع قديم، ومكتوب عليه بخط أمي
لو بنتي عرفت الحقيقة يومًا، لازم تقرأ الكلام ده.
إيدي بدأت ترتعش.
نادت أمي، وجت وقعدت جنبي.
لما شافت الظرف، وشها اتغير.
سألتها
إيه ده يا ماما؟
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
ده جواب كتبته لنفسي من أكتر من عشرين سنة. كنت فاكرة إني هقدر أواجه الحقيقة في يوم من الأيام، لكن كل ما كنت أقرب، كنت بخاف.
فتحت الظرف، وبدأت أقرأ.
كان مكتوب فيه
بنتي حبيبتي،
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا أخيرًا ما قدرتش أهرب من الحقيقة أكتر من كده.
أنا مش عارفة هتسامحيني ولا لأ، ومش عارفة هتفضلي شايفاني أمك بعد ما تعرفي إني ما ولدتكش.
لكن فيه حاجة واحدة لازم تعرفيها أنا عمري ما اعتبرتك بديل عن طفل ما جاش، ولا عمري حسيت إنك أقل من أي بنت في الدنيا.
أنا اخترتك بقلبى كل يوم، حتى في الأيام اللي كنت بخاف فيها من السؤال اللي عمري ما قدرت أجاوب عليه.
أنا عارفة إن الحب ما يديش حد الحق إنه يخبي الحقيقة عن حد تاني. وعارفة إن خۏفي من خسارتك خلاني أأجل لحظة كان من حقك تعيشيها من غير ما تحسي إن فيه جزء من حياتك ناقص.
لكن لو رجع بيا الزمن، كنتهختار إني أربيكي تاني. مش عشان أخدك من أمك، لكن عشان أحبك بالطريقة اللي عرفتها.
أنا مش بطلب منك تنسي اللي عملته، ولا تسامحيني بسرعة.
أنا بس بطلب منك ما تخليش السر ده يخليكي تشكي في كل لحظة حلوة عشناها سوا.
كل مرة سهرت جنبك، وكل مرة ضحكت معاكي، وكل مرة خفت عليكي، كانت حقيقية.
أنا أمك لأنني اخترت أكون أمك، لكن ده ما يلغيّش حقك في معرفة الست اللي جابتك للدنيا.
لو قدرتي تسامحيني يومًا، هكون ممتنة.
ولو احتجتي وقت، هفضل مستنياكي.
بحبك، حتى لو معرفتش أقول لك الحقيقة في الوقت الصح.
خلصت قراءة الجواب، ودموعي كانت بتنزل من غير ما أحس.
أمي كانت قاعدة جنبي، ساكتة، ومستنية أي كلمة مني.
لفيت ناحيتها وقلت
كان ممكن تديهولي من زمان.
ردت
عارفة.
كان ممكن نعيش الحقيقة سوا، بدل ما كل واحدة فينا تعيش خاېفة لوحدها.
هزت راسها.
عارفة يا بنتي. وده أكتر حاجة ندمانة عليها.
حطيت الجواب على الترابيزة، وحضنتها.
المرة دي، ما كانش حضڼ عشان أنهي الخلاف، ولا عشان أقول إن كل حاجة اتصلحت.
كان حضڼ لبداية جديدة، بداية فيها مساحة للحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.
بعد أسابيع، صحتنا اتغيرت بشكل كبير.
أخت أمي كانت بتحتاج رعاية طبية، فبدأنا نرتب لها مواعيد الكشف والعلاج، ونحاول نخلي أيامها أهدى وأقل ألمًا.
أمي رجعت تاكل أحسن، وبدأت تستعيد جزء من نشاطها، لكنها ما بقتش نفس الست اللي كانت قبل الرحلة.
بقت أكثر هدوءًا، وأكثر استعدادًا للكلام عن الماضي.
وفي يوم، طلبت مني أجيب لها الكاميرا القديمة.
قعدنا سوا، وبدأنا نبص على الصور الأربع مرة تانية.
الصورة الأولى كانت للبيت القديم.
الصورة التانية كانت لأمي قاعدة جنب أختها.
الصورة التالتة كانت صورة لأخت أمي وهي واقفة قدام شباك البيت، ووراها كرسي فاضي.
أما الصورة الرابعة، فكانت الصورة اللي بدأت منها كل الحكاية.
أمي بصت لها طويلًا، وقالت
أنا كنت فاكرة إن الصورة دي هتفضل آخر ذكرى ليا عن اليوم اللي اتاخد مني فيه كل شيء.
سألتها
وإيه اللي اتغير؟
ابتسمت ابتسامة هادية.
اكتشفت إن اللي اتاخد مني زمان، ما رجعش زي ما كان. لكن لسه فيه فرصة نعمل ذكريات جديدة، بدل ما نفضل عايشين أسرى للذكريات القديمة.
وبعدين مدت إيدها ناحية الكاميرا وقالت
تعالي ناخد صورة جديدة.
حطيت الكاميرا على الترابيزة، وقعدت جنب أمي.
بعد لحظات،دخلت أختها، وقعدت الناحية التانية.
بقينا التلاتة جنب بعض.
ما كانتش صورة مثالية، ولا كانت فيها ابتسامات واسعة تخفي الۏجع.
كانت صورة حقيقية لثلاث ستات، كل واحدة فيهم شايلة حكاية مختلفة، لكنهم أخيرًا بقوا قادرين يبصوا لبعض من غير ما يهربوا من الحقيقة.
قبل ما الكاميرا تلتقط الصورة، أمي مسكت إيدي، وأختها مسكت إيدي التانية.
وفي اللحظة دي، حسيت إن عيلتي ما بقتش أقل بسبب الحقيقة اللي عرفتها.
بالعكس، بقت أكبر، وأوضح، وأصدق.
بعد فترة قصيرة، أخت أمي تعبت بشكل مفاجئ، واضطرينا ننقلها للمستشفى.
قضينا أيام طويلة جنب سريرها، بنتبادل الأدوار في رعايتها، ونحاول نخليها مرتاحة على قد ما نقدر.
في إحدى الليالي، طلبت مني أمي أسيبها لوحدها شوية مع أختها.
خرجت من الأوضة، وفضلت واقفة بره، لكن قبل ما أقفل الباب، سمعت أخت أمي بتقول
أنا خاېفة أموت قبل ما أقول لها كل حاجة.
أمي ردت بهدوء
هي عرفت يا حبيبتي. وعرفت إنك حبيتيها.
لكن أختها قالت
مش كل حاجة.
سكتت أمي.
وبعدين سمعتها بتكمل
أنا مش عايزة أسيبها وهي فاكرة إن اللي حصل كان مجرد قرار بيني وبينك. فيه حاجة تانية لازم تعرفها.
دخلت الأوضة بسرعة.
الاتنين بصوا لي.
قربت من السرير، وسألتها
إيه الحاجة اللي لسه ما عرفتهاش؟
أخت أمي مسكت إيدي، وقالت
أنا مش عايزاكي تعيشي عمرك كله بتسألي إذا كنتِ مرغوبة ولا لأ. إنتِ ما كنتيش طفلة محدش عايزها، ولا كنتِ عبء على حد.
بدأت ټعيط.
أنا كنت صغيرة وخاېفة، وكنت فاكرة إن لو خليتك مع أختي، هضمن لك حياة أحسن. لكن الحقيقة إني كنت كمان خاېفة أواجه عيلتي، وخاېفة أعيش لوحدي، وخاېفة من كلام الناس.
أخدت نفس طويل، وكملت
أختك كانت شجاعة أكتر مني. هي اللي وقفت قدام كل الضغوط، وهي اللي اختارت تحميكي. لكن أنا فضلت أهرب من قراري طول عمري.
أمي مسحت دموعها، وقالت
إحنا الاتنين غلطنا، وكل واحدة فينا دفعت تمن خۏفها.
أختها بصت لي وقالت
أنا مش بطلب منك تسامحيني عشان أنا تعبانة. ولا عايزاكي تحسي إنك مطالبة تعوضيني عن السنين اللي ضاعت. أنا بس عايزاكي تعرفي إنك كنتِ بنتي، وإنك هتفضلي بنتي، حتى لو حياتك اتبنت في بيت تاني.
قربت منها، وحضنتها بحذر.
وقلت لها
أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أعوض السنين اللي ضاعت، لكن أقدر أعيش اللي باقي من غير ما أضيع يوم تاني.
غمضت عينيها، وفضلتماسكة إيدي.
في اللحظة دي، ما كنتش بفكر في مين أمي الحقيقية، ومين أمي اللي ربتني.
كنت بفكر في قد إيه





