
السر اللي أمي خبّته عني خمسين سنة…
السر اللي أمي خبّته عني خمسين سنة… والحقيقة اللي قلبت حياتي كلها
أنا عمري ما تخيلت إن اليوم اللي هكتشف فيه أكبر سر في حياة أمي، هيكون نفس اليوم اللي هعرف فيه إن الست اللي ربتني طول عمري كانت شايلة ۏجع لوحدها، وإن فيه جزء من حكايتها اتدفن من خمسين سنة، وكل اللي حواليا ساعدوا إنه يفضل مدفون.
وقفت قدام باب البيت القديم، وإيدي على جرس الباب، وقلبي بيدق پعنف. كنت فاكرة إني رايحة أدور على إجابة لسؤال واحد أمي كانت فين طول الأسبوع اللي فات؟
لكن الحقيقة اللي كانت مستنياني ورا الباب، كانت أكبر بكتير من مجرد رحلة غامضة وشنطة سودا.
قبل ما أحكيلكم إيه اللي حصل، لازم أرجع للحظة اللي كنت فيها واقفة في الصالة، ماسكة الكاميرا القديمة، وببص للصورة الرابعة اللي قلبت كل حاجة في حياتي.
الصورة كانت لست شابة واقفة قدام نفس البيت اللي شفته في الصورة الأولى. كانت لابسة فستان أبيض بسيط، وشعرها طويل، وإيديها شايلة طفلة صغيرة ملفوفة في بطانية بيضا.
الست دي كانت أمي.
عرفتها رغم إن الصورة قديمة، ورغم إن ملامحها كانت أصغر بعشرات السنين. كنت شفت صورها وهي شابة قبل كده، لكن عمري ما شفت الصورة دي تحديدًا.
اللي خلاني أرتعش مش صورة أمي، ولا الطفلة اللي في حضنها.
اللي خلاني أحس إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي، كان الشخص اللي واقف في الخلفية.
راجل كبير في السن، واقف بعيد عنهم شوية، وإيده على كتف بنت صغيرة تانية.
البنت دي كانت شبه أمي بشكل مخيف.
نفس العينين، ونفس شكل الأنف، وحتى نفس الغمازة الصغيرة اللي بتظهر في خدها الشمال لما تبتسم.
قلبت الصورة عشان أشوف لو فيه تاريخ مكتوب وراها، فلقيت جملة بخط إيد أمي
اليوم اللي اتاخد مني فيه كل شيء… واليوم اللي وعدت فيه نفسي إني مش هنسى.
فضلت أعيد قراءة الجملة كذا مرة، وأنا مش قادرة أفهم معناها.
مين اللي اتاخد منها؟ وإيه علاقة الطفلة التانية بحياتها؟ وليه أمي احتفظت بالصورة دي كل السنين دي من غير ما أعرف عنها أي حاجة؟
رجعت بصيت للشنطة السودا.
كان فيها جواب بني مقفول، وهدوم مش بتاعة أمي، وكاميرا فيها أربع صور بس.
كل حاجة كانت بتقول إن أمي ما سافرتش عشان تزور صاحبة طفولتها، وإنها كانت رايحة تقابل حد من ماضيها، حد يمكن تكون ما شافتوش من خمسين سنة.
سمعت صوت حركة فوق، فقفلت الشنطة بسرعةورجعتها مكانها، وحطيت الكاميرا في جيبي.
بعد ثواني، أمي نادت عليا من أوضتها
إنتِ فين يا حبيبتي؟
حاولت أخلي صوتي طبيعي وأنا برد
أنا في الصالة يا ماما، جاية أعملك فطار.
نزلت لقيتها قاعدة على طرف السرير، ووشها شاحب، وعينيها غايرتين من التعب. أول ما شافتني، ابتسمت، لكن ابتسامتها اختفت لما لاحظت إني ببص لها بطريقة مختلفة.
سألتني
مالك؟ فيه حاجة؟
قعدت جنبها ومسكت إيديها.
ماما، إنتِ متأكدة إنك كنتِ عند صاحبتك طول الأسبوع؟
إيديها اتجمدت بين إيديا.
لثواني، ما ردتش. وبعدها سحبت إيديها بهدوء وقالت
أيوه يا بنتي، هو أنا هكدب عليكي ليه؟
كان ممكن أقول لها إني عرفت إن رقم صاحبتها مش بتاعها، وإن تذكرة القطر تاريخها مختلف، وإن فيه صور لبيت غريب وست مش عارفاها.
لكن بدل ما أواجهها بكل ده مرة واحدة، سألتها سؤال واحد
طب مين الست اللي في الصورة؟
وشها اتغير في لحظة.
ما سألتنيش أنهي صورة، ولا حاولت تفهم أنا بتكلم عن إيه.
بصتلي كأنها عرفت بالضبط إني فتحت الشنطة، وإن السر اللي قضت عمرها كله بتحاول تخبيه، بقى خلاص قدامي.
قامت من مكانها بسرعة، رغم إنها كانت بالعافية قادرة تقف، وقالت بصوت مرتعش
إنتِ فتحتي الشنطة؟
ما جاوبتش.
قربت مني، وعينيها مليانة دموع.
قوليلي إنك ما فتحتيش الجواب.
ساعتها عرفت إن الجواب أهم من الصور نفسها.
قلت لها بهدوء
أنا شفت الصور بس، والجواب لسه مقفول. بس يا ماما، أنا مش هقدر أسيبك بالشكل ده من غير ما أفهم. إنتِ رجعتي من السفر كأنك شايلة جبل على قلبك، وأنا بنتك. لو فيه حاجة واجعاكي، خليني أكون جنبك.
أمي حطت إيديها على وشها، وفضلت ساكتة.
وبعد لحظات طويلة، قالت جملة عمري ما هنساها
في حاجات يا بنتي، الواحد لما بيخبيها سنين طويلة، بيبدأ يصدق إنه لو اتكلم عنها ھيموت من الۏجع.
بصتلها وأنا حاسة إن دموعي قربت تنزل.
بس السكوت مش دايمًا بيخلينا ننجو يا ماما.
رفعت عينيها ليا.
ولأول مرة من يوم ما رجعت، شفت في نظرتها خوف حقيقي، مش خوف من المړض ولا من المۏت، لكن خوف من إن الحقيقة أخيرًا تطلع للنور.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين طلبت مني أجيب الشنطة.
ولما حطيتها قدامها، مدت إيدها ولمست القماش الأسود بحنان غريب، كأنها مش بتلمس شنطة، لكن بتلمس عمر كامل من الذكريات.
قالت
أنا هحكيلك كل حاجة… بس لازم الأول نروح مكان.
سألتها
فين؟
ردت وهي بتبص للصورة اللي كانت في إيدي
البيت اللي في الصورة. لازم تشوفيه بعينيكي، قبل ما أقدر أقولك مين البنت اللي كانت واقفة جنبي.
ما سألتهاش أسئلة تانية. ساعدتها تلبس، وجهزت لها شوية أكل ومية، وخدت الشنطة السودا وحطيتها في العربية.
طول الطريق، أمي كانت ساكتة. كل شوية تبص من الشباك، ولما عربيتنا تعدي من قدام شارع قديم أو بيت له شكل معين، كانت عينيها تفضل معلقة بيه كأنها بتدور على حاجة ضايعة منها.
بعد حوالي ساعة ونص، وصلنا لحي قديم، شوارعه ضيقة وبيوته أغلبها مبني بالطوب الأحمر. المنطقة كانت مختلفة تمامًا عن الأماكن اللي اتعودت أروحها، لكن الغريب إني حسيت إني شفتها قبل كده.
أمي طلبت مني أركن قدام بيت قديم، بابه الخشبي متآكل، والشبابيك بتاعته مقفولة، وعلى الحيطة آثار سنين طويلة من المطر والشمس.
بصت للبيت وقالت بصوت واطي
هو ده.
نزلت من العربية، وفضلت أبص للمكان. كان نفس البيت اللي ظهر في الصور الأربع، ونفس المكان اللي بدأت منه كل الأسئلة.
سألت أمي
إحنا جايين هنا ليه؟
ردت وهي بتطلع من العربية بصعوبة
عشان تعرفي إن فيه أبواب في حياتنا بنفتكر إنها اتقفلت، لكنها بتفضل مفتوحة جوانا مهما عدّى الزمن.
قربت من الباب وخبطت ثلاث خبطات.
استنينا شوية، لكن محدش رد.
خبطت مرة تانية، فسمعنا صوت خطوات بطيئة من جوه. وبعد لحظات، الباب اتفتح، وظهرت ست عجوزة، شعرها أبيض بالكامل، ووشها مليان تجاعيد، لكنها كانت واقفة بثبات.
أول ما عينيها وقعت على أمي، سابت إيدها من على الباب.
فضلت باصة لها كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
وبعدين همست
إنتِ جيتي فعلًا… كنت فاكرة إنك مش هتقدري ترجعي أبدًا.
أمي ما ردتش.
الست العجوزة قربت منها خطوة، ورفعت إيديها المرتعشة ولمست وشها.
وفجأة، الاتنين حضنوا بعض وانهاروا في العياط.
ما كانش عياط ناس اتقابلوا بعد غياب عادي، ولا عياط صاحبتين بيفتكروا أيام زمان.
كان عياط اتنين شايلين ۏجع قديم، ۏجع أكبر من قدرتهم على الكلام.
وقفت مكاني مش فاهمة أي حاجة.
وبعد شوية، الست العجوزة بصتلي، وسألت أمي
هي بنتك؟
أمي مسحت دموعها وقالت
أيوه… دي بنتي.
الست فضلت باصة لي، وبعدين قالت جملة خلتني أحس إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل
كبرت أوي… شبهها أكتر ما كنت متخيلة.
قبل ما أسألها تقصد مين، فتحت لناالباب وقالت
ادخلوا. مش هنقدر نفضل واقفين بره، مش بعد كل السنين دي.
دخلنا البيت.
كان بسيط جدًا،





