قصص قصيرة

جوزي طلع الحزام من بنطلونه بقلم ساندي احمد

لما وجدت صفاء ورامي واقفين في الصالة الكبيرة، وكأنهم بانتظار حكم نهائي. كريم كان واقفاً بينهم، نظراته لي غريبة خليط من الخجل والتصميم على المواجهة. صفاء رفعت راسها بكل كبرياء
سمعنا إن فيه سوء تفاهم حصل بينك وبين كريم بالليل. جيت نصلح الأمور قبل ما تكبر. امضي الورق، وننسى كل حاجة حصلت، ونكمل حياتنا كعيلة محترمة.
جلست على الكرسي المقابل لهم بكل هدوء، ووضعت الملف الجلدي قدامي على الطاولة
أنا جاهزة أوقع.. بس على ورق صحيح وعادل. الورق اللي جبتوه أنتوا باطل قانونياً، لأن فيه بنوداً مجحفة وتهديداً بالإكراه. أما ده.. فهو الاتفاق الصحيح اللي أنا عايزاه.
فتحت الملف، وبدأت أقرأ بصوت واضح
أولاً كل أملاكي التي جئت بها من زواجنا تبقى ملكاً لي وحيداً، ولا يحق لأي أحد التصرف فيها إلا بموافقتي الكاملة. ثانياً أي مشاريع مستقبلية بيننا تكون مناصفة، وكل قرار مالي يتطلب توقيع الطرفين معاً. ثالثاً الاحترام المتبادل غير قابل للتفاوض. لا ټهديد، لا إهانة، لا تدخل سافر في خصوصيتنا. رابعاً إذا خُرق أي شرط من هذه الشروط، يحق لي طلب الانفصال الفوري دون أي ڼزاع، مع الحفاظ على كافة حقوقي المالية والقانونية.
رامي ضحك بصوت عالي محاولاً كسر حدة الموقف
ده كلام ستات يا مريم! إحنا عيلة السويدي.. النظام عندنا من زمان ما يتغيرش عشان حد!
وقفت ببطء، ونظرت لصفاء مباشرة
أنا أحترم عائلتكم وتاريخكم.. لكن احترامي لكم مش يعني تنازلي عن نفسي. كريم اختارني لأني قوية وناجحة.. واليوم بيطلب مني أتنازل عن كل ما جعلني كذلك. هل ده حب؟ ولا ده مجرد صفقة فشلت؟
ساد صمت طويل. صفاء نظرت لكريم، ولأول مرة شفت في عيناها شك حقيقي. هل هي فعلاً ما كانت تعرف مدى خطۏرة ما يطلبونه؟ ولا كانت تتوقع أنني سأستسلم ببساطة زي ما توقع الجميع؟
الجزء الرابع
مرت ثلاثة أيام ببطء ثقيل. الكلام انقطع تقريباً بيني
وبين كريم. كان يخرج الصبح بدري ويرجع بالليل متأخر، وعيناه دائماً حمراوان كأنه لم ينم جيداً. كنت ألاحظه من بعيد، وأشعر بصراع داخلي بينه وبين نفسه. هل فعلاً كان يحبني؟ وهل الحب عندهم مش قادر يصمد أمام جشع الأهل؟
في اليوم الرابع، جاءني في غرفة المكتب. وقف عند الباب متردداً، ثم دخل ببطء ويده خلف ظهره
أنا.. كلمت المحامي بتاعي. سألته عن البنود اللي كتبتيها. قال إنها عادلة.. بل وقال إنها حماية لي أنا كمان، لأن الأصول لو بقت مشتركة بشكل سليم، محدش يقدر يستخدمها ضدنا مستقبلاً.
سكت لحظة، ثم أخرج من وراء ظهره ورقة مطوية ومغلفة بملف شفاف
ده توقيعي على الاتفاق الجديد. والورق القديم.. ده انحرق. أنا آسف يا مريم.. كنت أعمى. صدقت كلامهم إن ملكيتك لشغلك هتبقى مصدر قلق لنا. ونسيت إن نجاحك هو نجاحي، وقوتك هي أماننا جميعاً. هل تقبلين اعتذاري؟ بكل صدق؟
بصيت للورق في يده، ثم لعيونه اللي كانت أول مرة أراها صافية ومباشرة من غير خداع
الاعتذار مش بالكلام بس يا كريم. الاعتذار يتحتاج لوقت وتصرفات تثبته. أنا مستعدة أعطيك فرصة.. بس بشروطي. ولو شعرت ولو للحظة واحدة إنك رجعت لطريقة تفكيرهم، سأخرج من حياتك بكل هدوء، ولن تقدر أنت ولا غيرك أن يوقفني. اتفقنا؟
مد لي يده ببطء، ويده كانت ترتجف قليلاً
اتفقنا.. وسأثبت لك إن ثقتك في محلك تماماً.
الجزء الخامس
لم يكن الطريق سهلاً بعد ذلك. صفاء لم تتقبل التغيير بسهولة، وكانت تجد طُرقاً خفية لتعبر عن استيائها نظرات، تعليقات جانبية، محاولات للتدخل في قراراتنا. لكن كريم كان يقف بجانبي في كل مرة، بكل احترام وثبات
يا أمي، مريم شريكة حياتي وقرارها من قراري. ما بينا حدود واضحة، واللي بيننا محترم. من فضلك احترمي ده.
وبمرور الأشهر، بدأت الأمور تتغير تدريجياً. زرت صالات التدريب الخاصة بي، وطلبت من كريم أن يأتي معي مرة. لما دخل الصالة وشفت الفتيات والشباب واقفين يحيونني بكل احترام، ولما شفت كيف كنت أقودهم وأعلمهم، اتكلم بعدها بدهشة حقيقية
ما كنتش أعرف إن عندك هذا التأثير الكبير على الناس. أنتِ مش بس مدربة قتال يا مريم.. أنتِ قدوة لهم. وأنا كنت غبي لما حاولت أصغر من حجمك ومن قيمتك.
وفي أحد الأيام، وبينما كنا نجلس في حديقة المنزل، سألته بكل هدوء
لو رجع الزمن للوراء.. هتعمل الشيء نفسه؟ هتحاول تاخد مني شغلي وأموالي؟
فكر للحظة بجدية، ثم قال بصدق
الصراحة.. ما أعرفش. الخۏف من المستقبل وتأثير كلام الناس كان أقوى مني. بس اللي أعرفه.. إنك غيرتي فيا كثير. علمتيني إن القوة مش في السيطرة على الآخر.. القوة الحقيقية لما تسيب الشخص اللي معاك يكون أقوى ما يمكن، وأنتِ واثق إنه مش هيتخلى عنك. وأنا
واثق فيكِ الآن بكل قلبي.
ابتسمت له، وشعرت بالسلام لأول مرة منذ شهور طويلة. لم أنتصر عليه.. بل ساعدته لينتصر على ضعفه وجشعه. وهذا أعظم انتصار ممكن.
الجزء السادس
بعد ثلاث سنوات، وقفت أنا وكريم نفتتح معاً صالة التدريب السابعة في مدينة الشيخ زايد، وبجانبنا لوحة كبيرة كتبنا عليها معاً القوة لا تُستخدم للسيطرة.. بل للحماية. كانت صفاء بين الحضور، وبعد انتهاء الاحتفال جاءتني وبيدها هدية صغيرة مغلفة
أنا كنت غاضبة منكِ لأنكِ خليتي ابني يفقد سيطرته.. واكتشفت إنه كان محتاج يفقد سيطرته القديمة عشان يكسب نفسه الحقيقية. شكراً لأنكِ لم تكسريه.. بل أعددتي بنائه من جديد.
ولما رجعت للبيت في تلك الليلة، وجدت كريم قد أعد طاولة صغيرة على الشرفة، وبيننا دفتر مذكراتي القديم الذي وجدناه في الدولاب. قال وهو يفتحه على صفحة جديدة
أول سطر أكتبه أنا.. من اليوم ده، بيتنا بيت مبني على الثقة المتبادلة. لا أحد سيد والآخر تابع.. نحن شركاء في كل شيء، في السراء والضراء، بقوتنا وضعفنا، بثروتنا وفقرنا. هل أنتِ راضية؟
مسكت القلم من يده، وأكملت الجملة بجانبه راضية.. طالما نبني معاً لا فوق بعض.
تعلمت في تلك السنوات أن الزواج ليس معركة من ينتصر فيها على الآخر.. بل هو ملاذ آمن لا تحتاج فيه أن تثبت قوتك باستمرار، لأن من يحبك يرى قوتك ويعينك عليها لا يطلب منك أن تضعف من أجله. وأن أقوى رد على من يستهين بك ليس الصړاخ ولا العڼف.. بل أن تستمر في بناء نفسك بثبات، وتثبت لهم أنك لم تأتِ لتكون تابعة لأحد.. بل جئت لتضيء المكان الذي تقف فيه بكل كيانك.
تمت بحمد الله

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى