قصص قصيرة

شيخ كبير

وبعدها مد إيده وناولني علبة صغيرة. فتحتها، ولقيت فيها سلسلة رقيقة عليها اسم طفل. بصيتله وابتسمت رغم دموعي.
قال: لسه مش عارفين ولد ولا بنت، بس حبيت أجهز حاجة لأول فرحة حقيقية تدخل البيت ده.
كانت أول مرة أحس إن بينا بداية مختلفة.
الحقيقة الأخيرة

مرت الشهور، وحملي كان بيتقدم بشكل طبيعي. وفي كل زيارة للدكتور، كان الشيخ بيرافقني بنفسه. وفي إحدى المرات، الطبيب أكد إن نتائج المتابعة مطمئنة، وإن الحمل مستقر.

أما موضوع النسب، فتم استكمال الإجراءات الطبية والقانونية اللازمة، وجاءت النتيجة مؤكدة إن الطفل ابن الشيخ عبد الرحمن. لما عرف، فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها دموعه نزلت. كان واقف قدام الشباك، وباصص للجنينة، وقال: أنا كنت فاكر إن ربنا حرمني من نعمة الأبوة للأبد.
قربت منه وقلت: ربنا بيدي كل حاجة في وقتها.
لف ناحيتي وقال: إنتِ مش بس جبتيلي طفل، إنتِ كشفتيلي حقيقة ناس كنت فاكرهم أقرب الناس ليا.

لكن المفاجأة الأكبر حصلت لما المحامي رجع لنا بالنسخة الكاملة من الوصية القديمة. اتضح إن الشيخ كان حاطط بند واضح بيضمن حقوق أي طفل شرعي يُولد له، وإن وجود الطفل هيخليه المستفيد الأساسي من جزء كبير من التركة، وفقًا للإجراءات القانونية. وده كان بالضبط اللي العيلة بتحاول تمنعه.

الشيخ قرر كمان يراجع وصيته بالكامل، ويأمن مستقبل ابنه، ويتأكد إن محدش يقدر يستغل ضعف أو جهل أي فرد من العيلة عشان يسرق حقه.

أما أنا، فطلبت منه حاجة واحدة. قلتله: أنا مش عايزة أعيش في حرب طول عمري، ولا عايزة أستخدم ابني عشان أنتقم من حد. أنا عايزة بس أعيش أنا وهو في أمان، ومن غير ما حد يتدخل في حياتنا.

بصلي وقال: وده حقك.
النهاية اللي ما توقعهاش حد

بعد شهور قليلة، جه اليوم اللي استنيته طول عمري. دخلت المستشفى، وبعد ساعات طويلة من التعب والانتظار، سمعت صوت بكاء طفل صغير. الممرضة قربت مني وهي شايلة طفل جميل، وقالت: مبروك يا مريم، ربنا يخليهولك.

فضلت أبص في وشه وأعيط من الفرحة. كان ولد. أما الشيخ عبد الرحمن، فكان واقف بره غرفة الولادة، ولما سمع الخبر، دخل وهو مش قادر يخفي دموعه. قرب من السرير، وبص لابنه لأول مرة. قال بصوت متهدج: الحمد لله الحمد لله.

شال الطفل بحذر، وفضل يبصله كأنه مش مصدق إن الحلم اللي عاش عمره كله فاكر إنه مستحيل بقى حقيقة.

بعد الولادة، اتغيرت حياتنا تمامًا. التحقيقات استمرت، واتكشفت مخالفات وتلاعبات في بعض المستندات، وكل شخص ثبت تورطه اتعامل معاه القانون حسب الأدلة ومسؤوليته. أما سامح، فخسر منصبه الإداري بعد ما اتسحبت منه صلاحيات إدارة الشركات، وبقى مضطر يواجه نتائج أفعاله بدل ما يفضل متحكم في كل حاجة.

ونوال حاولت أكتر من مرة تتواصل معايا، وتطلب مني أقنع الشيخ يسامحها. لكن كنت دايمًا برد عليها بنفس الجملة: المسامحة مش معناها إننا نرجع ندي الأمان لناس خانت ثقتنا.وبعد فترة، الشيخ طلب مني أقعد معاه في المكتب.
قال: أنا عايز أقولك حاجة. يوم ما اتهمتك، كنت فاكر إني بدافع عن نفسي وعن كرامتي، لكن الحقيقة إني كنت بظلمك من غير دليل.

قلتله: اللي حصل خلاني أعرف إن الفلوس والقصور مش ضمان للأمان.
ابتسم بحزن وقال: وإنتِ علمتيني إن الإنسان ممكن يبقى محاط بمئات الناس، ومع ذلك يكون محتاج حد واحد صادق جنبه.

خرجت من المكتب وأنا شايلة ابني بين إيديا. افتكرت اليوم اللي دخلت فيه القصر بفستان أبيض ودموع في عيني، وافتكرت كل كلمة اتقالت عليا، وكل مرة حسيت فيها إني لوحدي. كنت داخلة البيت ده مكسورة ومجبورة، وكل اللي حواليا كانوا فاكرين إنهم يقدروا يتحكموا في مصيري.
لكن في النهاية، الحقيقة ظهرت، والطفل اللي حاولوا يمنعوا وجوده بقى حقيقة لا يقدروا ينكروها. وأكبر عقاب ليهم ما كانش إني أنتقم منهم أو أذيهم، كان إن كل الأكاذيب اللي بنوا عليها خطتهم اتكشفت، وإن الطفل اللي خافوا يكون له حق في الميراث بقى له حقه بالقانون.

أما أنا، فقررت أبدأ حياة جديدة، وأربي ابني على إن الفلوس مش كل حاجة، وإن أقوى انتقام من الناس اللي ظلمونا هو إننا نعيش بكرامة، ونرفض نسمح لهم يكرروا نفس الظلم مرة تانية.ومن يومها، كل ما أبص لابني وهو نايم، أفتكر إن فيه ناس حاولوا يخلوا وجوده فضيحة، لكنه كان الحقيقة الوحيدة اللي كشفت كدبهم كلهم.

بس فيه سؤال عمره ما فارقش دماغي: لو كنت صدقت اتهاماتهم وانهرت من أول مواجهة، هل كنت هعرف الحقيقة قبل ما يضيع مني حقي وحق ابني؟ الحمد لله إن الحقيقة ظهرت في الوقت المناسب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى