
مبخلفش امانى سيد
بفكركم بس إن الست اللي إنتِ شايفاها هترجع تخدمك، كانت في يوم من الأيام مرات فيصل، وكان المفروض يصونها بدل ما يرميها عشان مشكلة مش بإيديها.
وفجأة هبة قالت جملة خلتني أسكت وأبصلها بتركيز على فكرة يا جيهان، إنتِ مش عارفة نص الحكاية، ولو عرفتي إحنا محتاجينك ليه فعلًا، ممكن تغيري رأيك!بصيت لهبة وقلت نص الحكاية إيه؟ هو فيه إيه تاني أنا معرفهوش؟
هبة بصت لفيصل، لكنه أشار لها تسكت، فقلت بعصبية لأ، محدش يسكت حد! إنتوا اللي جبتوني هنا وطلبتوا مني أرجع، ومن حقي أعرف كل حاجة. هبة ضحكت وقالت طيب هقولك، بس ماتزعليش من الحقيقة.
أنا مشكلتي مش مع وجودك في البيت، بالعكس، أنا عايزاكي ترجعي، لكن مش عشان فيصل ولا عشان إنتِ وحشتِه. سألتها أمال عشان إيه؟قالت بمنتهى الصراحة أنا تعبت يا جيهان، تعبت من مسؤولية البيت والعيال، وفيصل طول الوقت عايزني أهتم بيه وبالولاد وبكل تفاصيل حياته، وأنا مش عايزة أعيش بالشكل ده.
أنا عايزة أرجع أشتغل وأخرج وأسافر وأعيش لنفسي شوية، ووجودك هيساعدني. بصيت لها بذهول وقلت يعني إنتِ عايزاني أرجع عشان أشيل عنك عيالك وجوزك؟ردت ببرود وإيه المشكلة؟ ما إنتِ كنتِ مراته وعارفة هو محتاج إيه، وبعدين الولاد محتاجين حد يهتم بيهم، وإنتِ هتكوني معاهم طول الوقت.
هنا فيصل اتدخل وقال يا جيهان، متفهميش الموضوع غلط، هبة مش هتسيبلك مسؤولية البيت كلها، إحنا بس عايزين كل واحد يساعد التاني. بصيتله وقلت طب وإنت هتدفعلي مرتب مقابل شغل البيت وتربية ولادك؟ ولا هتعتبر إن دي واجبات زوجية؟اتعصب وقال مرتب إيه بس؟ إنتِ هترجعي مراتي!
ضحكت بمرارة وقلت عشان كده بقى! عايزني أرجع زوجة وقت ما تحتاجني، ومربية وقت ما هبة تحب تخرج، وخدامة وقت ما البيت يحتاج يتنضف، وكل ده من غير ما يكون ليا أي حق في الاعتراض!
هبة قالت إنتِ مكبرة الموضوع أوي، وبعدين إنتِ لوحدك، يعني هتستفيدي إيه لما تفضلي عايشة عند أمك؟وقفت، وشلت شنطتي على كتفي، وقلت أستفيد إني أعيش بكرامتي، وأكون لوحدي أحسن ما أكون وسط ناس شايفين إن رجوعي ليهم فرصة يستغلوني بيها.
وقبل ما أخرج، سمعت فيصل بيقول بعصبية فكري كويس يا جيهان، الفرصة دي مش هتتعوض. وقفت عند الباب وبصيتله عندك حق يا فيصل، الفرصة دي فعلًا مش هتتعوض… بس مش ليا، ليكم إنتوا، لأنكم كنتوا فاكرين إني هرجع بنفس الست اللي خرجت من بيتكم من سنتين ونص، لكن للأسف، الست دي مبقتش موجودة.
خلاص انا معرفش ازاى دماغكم جابتكم لكده أصلا عايز تجبنى داده مجانيه لولادك عشان تعيش حياتك مع الهانم ويوم ما اتكلم تعايرنى بعدم الخلفه صح حسبي الله ونعم الوكيل فيك فيصل انت وامك ومراتك وسبتهم وخرجت ومكنتش اعرف بعدها اللى هيحصل
مرت الأيام، وبدأت أرجع لحياتي واحدة واحدة، وقررت إني مش هفضل مستنية تعويض من حد، وإن لازم أعتمد على نفسي وأبني حياة أكون راضية عنها. قدمت في كذا مدرسة، وربنا كرمني بشغل مدرسة في مدرسة خاصة، وبدأت أحس إن ليا قيمة وإن حياتي مش واقفة على جوازي ولا على قدرتي إني أخلف.
وبعد فترة، ربنا رزقني براجل أرمل اسمه عادل، كان عنده بنت صغيرة اسمها ليلى، واتعرفت عليه عن طريق زميلة ليا في المدرسة. في البداية كنت مترددة جدًا، خصوصًا إني كنت خايفة أكرر نفس التجربة، لكن عادل كان مختلف في كل حاجة.
كان راجل هادي ومحترم، وعارف يعني إيه ست تتجرح، وعمره ما سألني عن موضوع الإنجاب بطريقة تحسسني إني ناقصة، بالعكس، لما صارحته بظروفي قالي أنا مش بدور على أم تجيبلي عيال يا جيهان،
أنا بدور على شريكة حياة، وبنتي محتاجة واحدة تحبها وتحن عليها، ولو ربنا رزقنا بطفل يبقى خير، ولو مرزقناش فالحمد لله على اللي عندنا.
الكلام ده خلاني أحس إن ربنا بعتلي إنسان يعوضني عن سنين الوجع اللي عشتها. اتجوزنا، وانتقلت أعيش معاه ومع ليلى، والبنت اتعلقت بيا بسرعة، وأنا حبيتها من قلبي، وكنت بحاول أعوضها عن غياب أمها من غير ما أحسسها إني جاية أخد مكان حد.
عادل كان بيقدرني، ويسألني عن يومي، ويهتم بتفاصيلي، ولو تعبت يسيب كل حاجة ويقعد جنبي، وعمره ما خلاني أحس إن مشكلة الإنجاب دي عيب فيا أو إنها تقلل من قيمتي عنده. عدت سنتين كانوا من أسعد أيام حياتي، سنتين نسيت فيهم إني في يوم من الأيام كنت ست مطلقة ومكسورة، ونسيت حتى أفتح صفحة فيصل أو أسأل عنه.
مكنتش عايزة أعرف إذا كان لسه مبسوط مع هبة ولا حصل بينهم إيه، بقى بالنسبالي شخص من الماضي، وكل اللي كان يهمني إني أحافظ على بيتي وراجل بيحبني وبحبه. وربنا كرمني من واسع فضله، وحملت بعد جوازي بعادل، وكانت فرحتي بالدنيا كلها، خصوصًا إني كنت فاقدة الأمل إني أعيش إحساس الأمومة.
عادل كان فرحان أكتر مني، وكل يوم يطمن عليا ويهتم بيا، وليلى كانت مستنية أخوها بفارغ الصبر. ولما جه معاد الولادة ورزقني ربنا بولد، حسيت إن الدنيا كلها بتضحكلي، وعادل اختار له اسم عز، وقال إن وجوده عزوة وسند لينا.
ومن يومها بقيت حاسة إن ربنا عوضني عن كل دمعة نزلت مني، وعن كل كلمة وجعتني، وعن
كل مرة حسيت فيها إني أقل من غيري. مكنتش محتاجة أثبت لحد إني أقدر أبقى أم، ولا كنت مستنية فيصل يعرف إني خلفت، لأن ببساطة بقيت مش مهتمة يعرف عني أي حاجة، وكنت أخيرًا عايشة حياتي اللي تمنيتها.
بعد فترة، كنت راجعة من المدرسة وقابلت واحدة من جيران فيصل القدام، كانت تعرفني كويس، وأول ما شافتني سلمت عليا وفضلنا نتكلم شوية، لحد ما سألتني عن أحوالي وعرفت إني اتجوزت وخلفت، وباركتلي، وبعدها فتحت سيرة فيصل وقالتلي على فكرة يا جيهان، إنتِ عارفة إيه اللي حصل لفيصل؟
بصيتلها باستغراب وقلت لا والله، أنا بقالي فترة طويلة مش بسأل عنه، خير؟قالت وهي بتهز راسها يا حبيبتي ده حاله اتقلب، هبة مراته زهقت وطفشت وسابتله العيلين ومشيت، وهو دلوقتي متبهدل معاهم ومش عارف يعمل إيه. سألتها بفضول طب ليه؟ حصل بينهم إيه؟
قالت هبة من الأول مكنتش عايزة مسؤولية، كانت عايزة تعيش حياتها وتخرج وتسافر، ولما لقت نفسها بقت مسؤولة عن طفلين وبيت وجوز، زهقت وقررت تمشي وتسيبهم له. وفيصل بعدها اتجوز واحدة تانية، بس دي بقى حكاية تانية خالص.
قلت ليه؟ مراته الجديدة عملت إيه؟ردت دي مش طايقة العيال أصلًا، وكل يوم والتاني تغضب عند أهلها وتسيبه وتقول له أنا ماربيش عيال غيري، ابعتهم لأمهم أو ودّيهم لأي حد، أنا مش جاية أربي عيال واحدة تانية!
فضلت ساكتة وأنا بسمعها، فقالت والراجل مش عارف يلم الدنيا، لا هو قادر يستغنى عن مراته الجديدة، ولا عارف يتصرف في عياله، خصوصًا إنهم لسه صغيرين ومحتاجين رعاية. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت ربنا يصلح حالهم ويهديهم، دول أطفال مالهمش ذنب في أي حاجة.
الجارة بصتلي وقالت سبحان الله، فاكرة لما كان بيتكلم عنك ويقول إنه نفسه يخلف؟ أهو ربنا رزقه، بس طلع مش عارف يحافظ على النعمة. هزيت راسي وقلت ربنا يرزق كل واحد على قد نيته، وأنا مش عايزة أتكلم في اللي فات، الحمد لله ربنا كرمني وعوضني.
ومشيت وأنا بفكر في الطفلين، مش في فيصل، لأنهم فعلًا مالهمش ذنب في اختيارات أبوهم وأمهم، لكن في نفس الوقت كنت عارفة إن حياتي الجديدة وبيتي وجوزي وابني عز أمانة لازم أحافظ عليها، ومش هسمح للماضي يرجع يفرض نفسه عليا تاني. تمت





