قصص قصيرة

مرات اخويا

مرات أخويا عندها مرض فى صدرها والدكاترة أكدوا إنها خبيس لكن لازم تعمل عملية عشان تشيل الصدر اخويا رفض وقال شكلك هيبقا وحش ومش هقدر اقرب منك ازاى تشيلى الصدر المرض فى المرحله الاولهردت وقالت بس لازم عمليه خصوصا إن مكان العملية حساسكلنا رافضين لكن هي كانت كل شوية تقوله انها تعبانه والتحاليل طالعه عالية جدافجأة ومن غير أي مقدمات لاقيناها راحت عند أهلها وبعدها أهلها كلمونا وقالولنا إحنا دخلناها تعمل العملية اخويا لم عرف اتجنن وقال ازاى يعملو كده ومش هدفع جنيه واحدالبدايه

قبل أسابيع قليلة، نزل علينا الخبر كالصاعقة. زوجة أخي، “سحر”، تلك الإنسانة الهادئة والنقية، جاءت نتائج تحاليلها لتؤكد أسوأ مخاوفنا. المرض الخىبيث استوطن في صدرها. قال الأطباء إنها محظوظة لأن المرض ما زال في “المرحلة الأولى”، ولكنهم كانوا حاسمين: “لا بد من جىراحة عاجلة لاستئصال الثدي، لضمان عدم انتشار الخلايا السرطانية في بقية جسدها”.
بالنسبة لـسحر، كان الخبر صدمة هزت كيانها كأنثى، لكن رغبتها في الحياة وفي البقاء لأجل من تحب جعلتها تتماسك. أما بالنسبة لمحمود، فكان رد فعله مغايراً تماماً، رد فعل لم نكن نتوقعه وصدىمنا جميعاً.

تذكرتُ تلك الليلة المشؤومة عندما انفجىر محمود في وجهها قائلاً بقسوة لم أعهدها فيه:

* “عملية إيه اللي تعمليها وتشيل الصدر؟ أنتِ عارفة ده معناه إيه؟ شكلك هيبقى وحش جداً.. مش هقدر أبص في وشك ولا أقرب منك! شوفي أي علاج تاني، أدوية، كيماوي، أي حاجة.. لكن قطع مش هسمح بيه!”

كانت سحر تبكي بحرقة، تحاول أن تشرح له والخوف يملأ عينيها:

* “يا محمود ده مرض خبيث.. الدكاترة قالوا دي الطريقة الوحيدة عشان أعيش.. المرض مبيستناش!”

لكن محمود، وبسبب حساسية مكان العملية ونظرته الضيقة للأمر، أصر على موقفه ورفض تماماً. وتحت ضغطه الشديد وخوفنا نحن أيضاً من تداعيات الخلافات، تراجعنا وحاولنا إقناعها بالصبر. غير أن سحر كانت تذبل يوماً بعد يوم، كانت تشتكي باستمرار من الألم، وتقول إنها تعبانة جداً، وجاءت التحاليل الأخيرة لتبين أن المؤشرات ترتفع بشكل مخيف.. كانت تصرخ صمتاً ولا أحد يستمع إليها.

وفجأة، وبدون أي مقدمات أو مؤشرات، اختفت سحر.

في الصباح، لم نجدها في الشقة. اعتقدنا في البداية أنها ذهبت لشراء بعض المستلزمات، لكن مرور الساعات دون أي أثر لها ولأغراضها الشخصية البسيطة جعل القلق يتسرب إلى قلوبنا. تحول القلق إلى صدمة عندما رن هاتف المنزل، وكان المتحدث هو والد سحر.

قال والدها بصوت حازم، يحمل نبرة تحدٍ وألم في آن واحد:

* “بنتنا عندنا يا جماعة.. وإحنا دلوقتي في المستشفى، ودخلناها العمليات عشان تعمل الجراحة وتنقذ حياتها. بنتي كانت بتموت وراجلها واقف يتفرج عليها عشان مظاهر كدابة!”

بمجرد أن سمع محمود هذه الكلمات، فقد السيطرة على أعصابه تماماً. تملك منه الجنون، وبدأ يكسر ما حوله في الصالة وهو يصرخ بملء صوته:

* “عملوا إيه؟! عملوها من ورايا؟! اتجرأوا ودخلوها العمليات من غير إذني ومن ورا ظهري؟! والله العظيم ما هعديها، والست دي ملهاش رجوع البيت ده تاني! ومش دافع مليم واحد.. ولا جنيه! خليهم يشيلوا شيلتهم!”

حاول والدي تهدئته، وصاحت أمي وهي تبكي خوفاً من الفضيىىحة ومن مصير سحر، لكن محمود كان في حالة غياب تامة عن الوعي، مدفوعاً بكرامته الجىىريحة ورؤيته للأمر كإهانة شخصية وتمىىرد على كلمته.

أمسك محمود بمفاتيح سيارته وخرج مسرعاً، يملأه الغل والرىىغبة في المواجهة. شعرتُ بخوف شديد من أن يرتكب حماقة، فلحقتُ به فوراً وركبتُ بجواره. كان يقود بسرعة جنونية متوجهاً إلى المستشفى التي تقبع فيها زوجته بين الحياة

وصلنا إلى المستشفى، وكان الممر يؤدي إلى غرفة العمليات يغمره صمت ثقيل، يقطعه فقط دعاء والدة سحر وانتحابها. بمجرد أن رأى محمود والد سحر يجلس على المقعد، اندفع نحوه وعيناه تتطاير منهما الشرار، وصاح بصوت زلزل أرجاء المكان:

#الكاتب_رومانى_مكرم

* “يا عمي! بقى بتستغفلوني وتعملوا العملة دي من ورايا؟! بتكسروا كلمتي عشان حتة حتة من جسمها؟! اعتبروا بنتكم طالق، ومش هتدخل بيتي تاني، ومصاريف المستشفى دي تدفعوها من جيبكم!”

وقف والد سحر، ورغم كبر سنه، إلا أنه نظر إلى محمود بنظرة احتقار شديدة، ولم ينطق بكلمة، بل رفع يده وأشار إلى باب العناية المركزة، حيث بدأت الأضواء الحمراء فوق الباب تومض فجأة، وخرج الممرضون يركضون في ارتباك واضح..

شحب وجه الجميع، وتحولت المواجهة فجأة إلى رعب من نوع آخر.. ماذا حدث داخل غرفة العمليات؟

انفتحت أبواب غرفة العمليات وخرج الطبيب الجراح وعلى وجهه علامات الإرهاق الشديد والوجوم. ترك محمود صياحه واندفعت والدة سحر نحو الطبيب وهي تتشبث بردائه وتصرخ بنحيب: “طمني يا دكتور.. بنتي جرى لها إيه؟”

نظر الطبيب إلى محمود ثم إلى والد سحر وقال بصوت منخفض ومحمل بالأسف: “العملية كانت معقدة جداً.. للأسف المؤشرات الحيوية نزلت فجأة، وحصل هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف مؤقت لعضلة القلب بسبب الإجهاد والضغط النفسي الشديد اللي كانت بتمر بيه المريضة قبل الدورة الجراحية. قدرنا ننعش القلب والحمد لله، لكنها دلوقتي في حالة حرجة جداً وفقدت كتير، ولازم تتنقل العناية المركزة تحت الملاحظة لـ 48 ساعة الجايين.”
سقطت والدة سحر على الأرض مغشياً عليها من الصدىىمة، فتجمع الممرضون حولها، بينما وقف والد سحر كالطود الشامخ، رغم الدموع التي تحجرت في عينيه. التفت ببطء نحو محمود، ونظر إليه بنظرة حزن ممزوجة بالقرف وقال بصوت خافت لكنه زلزل كبرياء محمود: “سمعت يا جوز بنتي؟ سمعت يا اللي كان هامك الشكل والمظهر؟ بنتي ب بسبب قسوتك وضغطك عليها لحد ما قلبها مابقاش مستحمل.. غور من وشنا، مش عاوزين منك مليم، ولا عاوزينك في حياتنا تاني.”

في تلك اللحظة، ظهر السرير المتحرك وهو يخرج من  العمليات. كانت سحر ممددة عليه، وجهها شاحب كالأموات، تحيط بها الأجهزة وخراطيم التنفس، وضمادة بيضاء ضخمة تلف ا.. ذلك الصدر الذي كان محور النزاع والخلاف، بات الآن دليلاً على معركة شرسة بين الحياة والموت.

تحرك السرير سريعاً نحو العناية المركزة. تسمر محمود في مكانه، وبدت على وجهه لأول مرة علامات الذهول والارتباك. الرغبة في الانتقام والغل التي كانت تملأه تلاشت تدريجياً لتترك مكاناً لصدىمة حقيقية. تقدمتُ منه وأمسكت بذراعه وقلت له بصوت مرتجف: “شايف يا محمود؟ شايف وصلنا لإيه بعنادك؟ مرتك بتمىوت.. ضيعت الست عشان كلام فارغ!”

نفض محمود يدي عنه بعصبية، لكن صوته هذه المرة لم يكن بنفس القوة، بل كان يحمل رعشة خفية: “أنا مالي؟ هما اللي ودوها للموت بجهلهم وعملوا العملية من ورايا.. أنا ماشي من هنا.”

تحرك محمود نحو مخارج المستشفى بخطوات سريعة، يحاول من نظرات الاحتقار التي حاصرته من كل مكان، ومن صوت ضميره الذي بدأ يصرخ في داخله. ركبتُ معه السيارة مرة أخرى، وكان الصمت داخلها خناقاً. لم يتحدث بكلمة طوال طريق العودة، لكن يديه على عجلة القيادة كانت ترتجفان بشدة.

عندما وصلنا إلى المنزل، كانت أمي وأبي بانتظارنا على أحر من الجمر. وبمجرد أن دخلنا، ارتمىت أمي على محمود تسأله بلهفة: “طمني يا ابني.. سحر عاملة إيه؟ والعملية حصل فيها إيه؟”

جلس محمود على الكرسي ووضع رأسه بين يديه وقال بجفاء مفتعل: “عملوا العملية.. والست في العناية المركزة بين الحيا والموت. وأنا رميت عليها اليمين قدام أبوها.. ملهاش قعاد في البيت ده تاني.”

صرخت أمي ولطمت على صدرها: “يا مصيبتي! تطلقها وهي في العمليات يا محمود؟ تبيع لحمها وهي بين إيدين ربنا؟ ربنا مش هيسامحنا واصل لو البنت جرى لها حاجة!”

أما والدي، فقد وقف وضرب بعصاه على الأرض بقوة وقال بغضب شديد: “أنا مأصلتش راجل يرمي مراته في محنتها عشان حتة لحم نقصت منها! سحر ست صاينة عرضك، والمرض ده بتاع ربنا مش بإيدها. لو البنت دي ماتت يا محمود، ذنبها هيبقى في رقبتك ليوم الدين، ومش هسامحك لا أنت ولا اللي يطاوعك.”
مرت الليلة كأنها دهر. لم ينم أحد في بيتنا. وفي الصباح الباكر، لم أستطع تحمل هذا الضغط، فقررت الذهاب إلى المستشفى بمفردي لأطمئن على سحر وأرى ما آلت إليه الأمور.

وصلت إلى المستشفى، وكانت الأجواء في ممر العناية المركزة أكثر كآبة. وجدتها خالية إلا من والد سحر الذي كان يجلس واضعاً رأسه بين يديه، وشقيقها الأكبر “أحمد” الذي وصل لتوه من السفر بعد علمه بالخبر. عندما رآني أحمد، نهض مسرعاً وعلامات الغضب والشر تملأ وجهه، واقترب مني وعيناه تجدحان شرراً..

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى