
احتفلوا بميلاد وريثهم… بينما كان طفلهم الحقيقي يُرمى في القمامة!
انهمرت العاصفة على المدينة كأن السماء فقدت صبرها أخيرا. شق برق الليل نصفين ودوى الرعد بغضب عتيق وغسلت الأمطار الشوارع كدموع لا تتوقف.
ومع ذلك كان هناك مكان واحد لا تستطيع أي مطر أن يطهره مكب النفايات البلدي.
بين أكياس قمامة ممزقة وبلاستيك غارق في الوحل وشظايا زجاج تلمع كأسنان مكسورة كانت فتاة صغيرة مشردة تتحرك بسرعة وحذر.
كان اسمها دانا.
لم تتجاوز الثامنة من عمرها.
لكن يديها كانتا تبدوان أكبر بكثير من سنها.
كانت ترتدي سترة رمادية واسعة أكثر من اللازم أثقلتها الأمطار وحذاءين غير متشابهينأحدهما مرقع على نحو بدائي بشريط فضي. كانت ترتجف مبللة حتى العظم لكنها لم تتوقف عن الحركة.
فالجوع لا يسمح بالراحة.
وحين يعض الجوع يتعلم حتى الطفل أن يمشي عبر الألم.
كانت دانا تبحث عما تبحث عنه دائما علبا فارغة وقطعا من أسلاك النحاس وأي شيء يمكنها بيعه.
شيء واحد فقط بعد همست لنفسها كأن هذه الكلمات قد تبقيها واقفة.
لم تأكل منذ أكثر من يوم.
لكنها لم تكن تفكر في الطعامكانت تفكر في الصباح.
والصباح يعني السوق.
والسوق يعني عملات معدنية.
والعملات قد تعني وجبة ساخنة.
كانت على وشك العودة إلى ملجئهاصندوق كرتون مقوى مخبأ في زقاقحين تغير الهواء فجأة.
لم يكن ذلك رعدا.
ولم يكن شاحنة قمامة.
كان صوتا لا ينتمي إلى ذلك المكان.
خريرا ناعما ومترفا لمحرك سيارة فاخرة.
تجمدت دانا في مكانها.
في عالمهالليل قواعد.
ولا أحد يذهب إلى مكب النفايات في تلك الساعة لأسباب بريئة.
صرخ حدسها بالخطر.
انزلقت خلف كومة من الإطارات القديمة وتكورت على نفسها وكادت تحبس أنفاسها.
شقت الأضواء الأمامية الظلام.
توقفت سيارة سوداء أنيقة على مقربة بدت غير واقعية وسط القذارة كأنها مركبة فضائية هبطت على كوكب ميت. انطفأت الأضواء فجأة. ولثانية واحدة لم يبق سوى المطر والبرق.
فتح باب.
نزلت امرأة ترتدي معطفا مطريا طويلا وشعرها الداكن ملتصق برأسها. لم تمش بثبات بل بعجلة متوترة عجلة من يخشى أن يرى.
كانت تضم إلى صدرها حزمة ملفوفة بقماش.
سرت قشعريرة في جسد دانا لا علاقة لها بالبرد.
نظرت المرأة حولها بعصبية ثم توقفت عند فجوة بين أكوام من نفايات صناعية. أنزلت بصرها إلى الحزمة ترددت همست بشيء ابتلعه الريح
ثم كأن الحزمة تحرق يديها أفلتتها.
سقطت الحزمة بين أكياس القمامة السوداء.
سارعت المرأة إلى تكديس أكياس أصغر فوقها وسحبت صندوقا كرتونيا مبللا لتغطيها ثم ركضت عائدة إلى السيارة. زمجر المحرك وتناثرت الطين تحت العجلات
واختفت.
لم يبق سوى المطر.
والصمت.
لم تتحرك دانا في البداية.
عدت دقات قلبها.
كان الخوف يصارع الفضول.
ما الذي يمكن أن يكون فظيعا إلى هذا الحد ليرمى في منتصف الليل
مال
شيء مسروق
إن كان ذا قيمة فقد يعني طعاما. دفئا. وربما حتى فرصة.
غلبت الحاجة.
ركضت دانا نحو الكومة مزقت الأكياس ورفعت الصندوق.
تحتها كانت بطانية صوفية ناعمةرقيقة باهظة الثمن حتى وهي مغمورة بالماء.
لمست الحزمة.
كانت دافئة.
وتحركت.
ارتجفت يداها وهي تزيح البطانية
فاخترق الليل بكاء حاد يائس.
انهارت دانا في الوحل.
رضيع.
كان أحدهم قد ألقى بطفل كما تلقى القمامة.
دامت الصدمة ثانية واحدة.
ثم تولى الغريزة القيادة.
ركعت دانا تحدق في وجه صغير محمر وفي جسد ضئيل يرتجف تحت المطر القذر.
لا لا من الذي فعل بك هذا همست بصوت مكسور.
لم تفكر في القذارة ولا في البرد.
نزعت سترتها وضمت الرضيع إلى صدرها الصغير مانحة إياه آخر ما تبقى لديها من دفء.
أنا معك أنا معك تمتمت.
خفت بكاء الرضيع كأنه صدقها.
وأثناء تعديلها للبطانية لامست أصابعها شيئا باردا.
سلسلة فضية سميكة يتدلى منها لوح مستطيل.
أضاء برق المكان كله.
كان الاسم المنقوش واضحا.
هاريسون.
لم يكن ذلك مجرد اسم.
كان نفوذا.
وعناوين صحف.
وناطحات سحاب.
ذلك النوع من الناس الذي يستأجر الحراسة لطرد فتيات مثلها.
هل كان هذا وريثا
دار رأس دانا.
كيف يمكن لطفل من تلك العائلة أن ينتهي في القمامة
نظرت إلى وجه الرضيعلا شيء سيئ لا شيء مكسور.
مجرد حياة.
مجرد براءة.
أيا تكن قالت دانا بصوت منخفض لكنه ثابت أنت لا تستحق هذا.
أدخلت السلسلة في جيبها كعهد صامت.
وبدأت تمشي نحو المدينة.
لم يكن لديها سيارة.
ولا عائلة.
ولا بيت.
كان لديها فقط يقين واحد أن هذا الطفل لن يموت تلك الليلة.
ليس ما دامت هي هناك.
بعد قليل عاد الرضيع إلى البكاءمن الجوع.
عرفت دانا ذلك الصوت جيدا.
توقفت تحت مظلة متجر مغلق وعدت ما لديها من مال عملات معدنية وأوراقا مجعدة ادخرتها خلال أيام من البحث.
جوارب.
همبرغر ساخن.
أن تشعر بإنسانيتها للحظة.
نظرت إلى فم الرضيع وهو يبحث.
قبضت على المال بقوة.
أنت الفائز همست.
ودخلت الصيدلية المفتوحة على مدار الساعة.
كانت تعرف ما سيحدث.
ودخلت على أي حال.
لفح الهواء الدافئ وجهها. رفع البائع نظره تحولت الشكوك إلى اشمئزاز.
اخرجي. نحن لا نعطي صدقات. ارحلي قبل أن أتصل بالشرطة.
لست أطلب قالت دانا وهي تغطي الرضيع بجسدها الصغير. أنا أشتري. معي مال.
فتحت كفها المبتلة.
بعد تردد أشار البائع إلى الخلف.
حليب الأطفال هناك. لا تحدثي فوضى.
كانت الأسعار كلكمة في صدرها.
العلبة الكبيرةمستحيل.
المتوسطةلا.
وجدت الأصغر الأرخص.
سيكلفها كل شيء.
زمجر بطنها حين رأت بسكويتا قريبا.
لثانية واحدة كادت تختار نفسها.
ثم أنين الرضيع.
ابتلعت دانا ريقها.
أنت تستطيع الاحتمال قالت لمعدتها.
عند الصندوق عدت قطعة قطعة.
كانت تنقصها خمسون سنتا.
سرقها الذعر أنفاسها.
تنهد البائع ومد يده ليعيد الأغراض
ثم توقف.
ربما كان بكاء الرضيع الخافت.
ربما كان وجه داناصغيرا إلى حد يؤلم النظر إليه.
انسي الأمر تمتم وهو يدفع الأغراض نحوها. خذيها واذهبي.
خرجت دانا مسرعة قبل أن يغير رأيه.
تلك الليلة في ملجئها الكرتوني أطعمت دانا الرضيع.
كان المطر قد خف قليلا لكن البرد ظل قاسيا يتسلل من الفجوات الصغيرة في الكرتون كما لو كان يبحث عن





