قصص قصيرة

ضحك الاطباء

على النظام الطريقة التي يدرب بها الخضوع والطريقة التي يكافأ بها الصمت ويعاقب بها الاعتراض.
عرفت هذا المشهد من قبل فقط بزي مختلف…عادت بالقهوة ووضعتها أمامه….لم يشكرها.
أخذ رشفة وتجهم.. سكر كثير. حاولي بجدية أكبر.
أومأت مرة واحدة حاضر يا دكتور.
بقيت عينا دينا على سلمى أطول مما ينبغي فضول مغطى بشيء يشبه الرضا…استعاد الصباح إيقاعه المعتاد من الإذعان.
جعلها الدسوقي تعيد عد الإمدادات مرتين لأنه لا يثق في حساباتها…أرسلتها دينا لجلب معدات كانت في متناول اليد أصلا.
وسألت طبيبة مقيمة أخرى بصوت مسموع إن كانت سلمى قد عملت فعلا في مستشفى من قبل…وخلال كل ذلك لم تقل سلمى شيئا….عملت فقط….تركتهم يرون ما يتوقعونه تماما ممرضة هادئة جديدة لا تنتمي إلى عالمهم.
كان ذلك أسهل…عند الساعة الحادية عشرة وسبع وأربعين دقيقة مزق صوت مكبرات المستشفى هذا الوهم… حالة طوارئ كبرى في غرفة الصدمات واحد. إصابات متعددة. الوصول خلال ثلاث دقائق. جميع الطواقم المتاحة فورا…لم تعلنالكلمات نفسها بل انفجرت…تحرك جسد سلمى قبل أن يفكر عقلها.
ذاكرة عضلية غريزة…مفتاح انقلب كما كان ينقلب في طائرات الإخلاء وفي خيام الفرز وتحت أضواء العواصف الرملية.
كانت قدماها تتجهان بالفعل نحو غرفة الصدمات.
يداها تمتدان إلى القفازات…عيناها تمسحان الممر كما كانت تمسح مناطق الهبوط يوما ما الذي يعيق ما الذي ينقص ما الذي سيفشل بعد لحظة.
دخلت غرفة الصدمات الأولى في اللحظة التي اندفعت فيها الأبواب.
اندفع المسعفون و و
اندفع المسعفون ومعهم المصابون إلى غرفة الصدمات وكان صدى الأصوات يتماوج بين الإنذارات وأوامر الطاقم. كان أحد الجنود الشبان مصابا بجروح غائرة في الصدر آخر يصرخ من الألم بسبب كسور متعددة وطفلة صغيرة بقيت فاقدة الوعي بعد حادث سير.
سلمى توقفت لثانية عينها تتفحص المشهد كما لو كانت قراءة خريطة معركة. لم تكن مجرد ممرضة الآن كانت قائد ميداني في ساحة حرب تتحرك بين المصابين بلا تردد توزع التعليمات وتعدل الوضعيات وتبدأ التدخلات الطارئة.
كسور متعددة هنا أحتاج دعم لتثبيت الساق!
توقف النزيف بسرعة!
حضروا جهاز التنفس الصناعي للطفلة!
كانت أصواتها ثابتة ونبرتها تحمل سلطة غريزية تجعل الجميع يستجيبون بلا تردد. لاحظ الدكتور شريف الدسوقي الذي دخل متأخرا التغير في المشهد كانت سلمى تتحرك بين الطاقم كظل لا يرى لكنه يحرك كل شيء يوجههم بحركات دقيقة ويشخص الحالات قبل أن تلمس يده الجرحى.
في غضون دقائق استقر الوضع الأول وعادت غرفة الصدمات إلى حالة شبه هدوء لكن القلب كان لا يزال يدق بسرعة. سلمى أخذت نفسا عميقا تنظر إلى الطاقم المجهد حولها وتطوي فجأة كل ذكرى أنها مجرد ممرضة جديدة.
شريف حالة الطفل حرجة نحتاج موافقتك على التدخل الجراحي الطارئ.
رفع الدسوقي حاجبه لكنه أدرك أنه أمام شخص يعرف ما يفعل فأومأ بالموافقة بلا كلام زائد.
بدأت العملية بشكل سريع ومنسق كل حركة محسوبة كل قرار مدروس. وفي النهاية بعد ساعات من العمل المضني بدأ المصابون في الاستقرار والابتسامات الخجولة بدأت ترتسم على وجوه الطاقم حتى شريف الدسوقي بدا أقل تشددا من قبل.
بعد انتهاء الفوضى وقفت سلمى بجانب محطة التمريض تتنفس ببطء تراجع نتائج المرضى تعدل ملفاتهم وتحافظ على هدوئها المعتاد وكأن شيئا لم يحدث. لكن نظرات الطاقم وحتى نظرة دينا كانت مختلفة الآن احترام خافت تقدير صامت وفضول يختبئ خلفه احترام عميق.
في تلك اللحظة أدركت سلمى أن الظهور لم يكن خطرا دائما أحيانا التميز الحقيقي يظهر عندما يختبرك الوقت والموقف وعندما يعرف الجميع أن القوة لا تقاس بالسلطة أو بالرتب بل بالقدرة على الوقوف في اللحظة التي تتطلب منك كل شيء.
غادرت غرفة الصدمات القهوة ما تزال ساخنة في كوبها لكنها لم تلمسها. كانت تعرف أن المعركة الحقيقية هنا لم تكن مع المرضى أو الجراحين بل مع قيود الماضي وأنها كما في كل مرة كانت مستعدة لتجاوزها بصمت دون أن تحتاج إلى بطاقة تعريف لتخبرهم من هي حقا.
كانت مستشفى النور التخصصي قد شهدت اليوم ظهورا جديدا ليس فقط لممرضة بل لقوة لم يجرؤ أحد على تقديرها بالكامل من قبل وكل من شهدها يعلم الآن أن سلمى عمران ليست مجرد اسم على شارة تعريفية بل الملاذ الذي لا يقهر.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى