
ضحك الاطباء
ضحك الأطباء على الممرضه الجديده ..حتى رفع قائد القوات الخاصه الجريح يده وادي لها التحيه..
لم يكن مستشفى النور التخصصي يبدو مستشفى بقدر ما كان يشبه قاعة محكمة دائمة ..حيث الجميع تحت محاكمة غير معلنة وحيث الأحكام تصدر بالنظرات قبل الكلمات.
الجدران لامعة الأرضيات مصقولة بعناية واللافتات أنيقة إلى حد يوحي بأن المكان محطة سفر دولية لا مؤسسة علاجية غير أن تحت هذا اللمعان كان يعيش نظام قديم من التسلسل الصارم نظام متجذر كأنه محفور في البلاط ذاته.
كان الجراحون في القمة…الأطباء المقيمون يدورون تحتهم بحذر…الممرضات ينجون إما بحدة تكفي للاحتمال أو بصمت يكفي للاختفاء.
أما البقية فيتحركون حول هذه النجوم بحذر شديد خوفا من أن يحترقوا إن اقتربوا أكثر مما ينبغي.
تعلمت سلمى عمران سريعا أن الاختفاء نوع من أنواع الدروع.
كانت في الحادية والأربعين من عمرها بشرة سمراء شعرها الطبيعي مرفوع بعناية مقصودة ووجهها يحتفظ بمشاعره خلف عينين ثابتتين لا تفشيان شيئا…ملابسها بسيطة شارتها التعريفية تقول ممرضة قانونية قسم الطوارئتعيين حديث.
كانت تتحرك في الوحدة بكفاءة محسوبة…تراجع العلامات الحيوية تضبط المحاليل الوريدية تدون الأدوية تحافظ على نبرة صوت متزنة وملامح محايدة وحضور لا يلفت الانتباه.
كان ذلك مقصودا…
أربعة أشهر في مستشفى النور علمتها أن الظهور يجذب النوع الخاطئ من الانتباه النوع الذي يبحث عن نقاط الضعف ليضغط عليها النوع الذي يطالبك بالتبرير حين تكونين فقط تقومين بعملك.
لذلك فعلت سلمى ما كانت تجيده دوما… راقبت أنصتت تكيفت وجعلتهم يظنون أنها جديدة بكل المعاني التي تريحهم.
ما لم يعرفوه وما لم تحمله بطاقتها التعريفية هو أن سلمى عمران.. كانت يوما المقدم سلمى عمران طبيبة ميدانية في القوات المسلحة جراحة قتالية خدمت ست سنوات مع وحدات خاصة في مهام لم تذكر يوما في البيانات الرسمية.
كان الجنود الذين عالجتهم يطلقون عليها لقب الملاذ لأنها أعادت المصابين أحياء ولأنها في ثلاث وستين عملية إنقاذ لم تفقد مريضا واحدا كان تحت رعايتها المباشرة.
تلك النسخة من نفسها بدت الآن كطيف بعيد حياة طويت بعناية وأغلقت في درج لا يفتح. ..في هذا المبنى كانت سلمى مجرد ممرضة أخرى….وفي أغلب الأيام كان هذا الاختيار يبدو سلاما.
حتى لوح الدكتور شريف الدسوقي بأصابعه في وجهها كما لو كانت قطعة أثاث…
سلمى قهوة. حالا.
كان الدسوقي في الرابعة والأربعين رئيس قسم جراحة الطوارئ يرتدي سلطته كما يرتدي بعض الرجال الساعات الفاخرة مصقولة ظاهرة لا يمكن تجاهلها. لم يكن يقود المكان فقط بل كان يملكه.
يحمل ثقة رجل لم يراجع يوما وقسوة من اعتاد أن لا يسأل.
كانت سلمى تقف عند محطة التمريض تراجع ملف مريض عاد للتو من الأشعة المقطعية. لم ترفع رأسها فورا. أنهت السطر الذي تقرأه ثم أغلقت الملف بهدوء.
أنا في منتصف
قاطعها دون أن يخفض صوته لا يهمني ما أنت في منتصفه. أحتاج القهوة قبل عملية هندرسون وأنت الممرضة الوحيدة التي لا تفعل شيئا مهما…تحرك بعض الموجودين.
اتجهت الأنظار نحو سلمى ثم ابتعدت سريعا وكأن مجرد المشاهدة قد تجعلهم شركاء.
اتكأ الدسوقي على المنضدة وابتسم للطبيبة المقيمة دينا فؤاد في عامها الثاني التي كانت تتعلم سريعا أن القسوة حين تعكس قد تسمى طموحا.
أليس كذلك يا دينا
ابتسمت دينا كما لو أنها تحفظ النص مسبقا وقالت بنبرة ساخرة
لا تزال تتعلم التسلسل الهرمي أعطها وقتا.
ضحك الدسوقي.
التسلسل الهرمي بسيط.
ثم نظر أخيرا إلى سلمى يفحصها كما يفحص أحدهم قائمة طعام يقرر ما يستحق ويتجاهل ما لا يستحق.
الجراحون ينقذون الأرواح.
الممرضات يدعمن الجراحين.
والممرضات الجديدات يجلبن القهوة.
التقت سلمى بعينيه. لم يتغير تعبيرها لكن شيئا ضاق خلف نظرتها.
كانت قد واجهت رجالا أسوأ منه في أماكن أظلم بكثير رجالا يحملون السلاح بدل الغطرسة ولا يحتاجون إلى رفع أصابعهم لإعلان سلطتهم.
أضاف وهو يبتسم بالكريمة والسكر أسود مثل روحي.
ضحك على نكتته…ضحكت دينا معه…استدارت سلمى وسارت نحو غرفة الاستراحة دون كلمة واحدة.
تبعها الضحك في الممر خفيفا حادا مهملا كقطع نقدية تلقى بلا اكتراث…في غرفة الاستراحة سكبت القهوة في كوب يحمل شعار المستشفى وأضافت الكريمة والسكر بيدين ثابتتين. كان تنفسها بطيئا ونبضها بالكاد تغير…لو راقبها أحد لظن أنها لا تهتم.
لكنها كانت تهتم….لا لأن الدسوقي جرح كبرياءها بل لأنها تعرفت





