
ابنتي تحولت لخادمه في بيتي
كان السؤال أثقل مما بدا عليه. لم يكن مجرد استفسار عابر بل اعترافا داخليا حملته لسنوات. نظرت إليها طويلا قبل أن أجيب وكأنني أردت أن تصل كلماتي إلى قلبها قبل أذنيها ثم قلت دون تردد
لا. الضعف هو أن ټؤذي غيرك لتنجو. الضعف هو أن تسحق إنسانا آخر لتبقي نفسك واقفا. أما أنت فقد نجوت دون أن تفقدي إنسانيتك دون أن تتحولي إلى نسخة قاسېة ممن آذوك. وهذا يا أوليفيا أقوى ما فيك.
لم تبك. فقط أغمضت عينيها لثوان وكأنها تسمح لتلك الكلمات أن تستقر في داخلها في مكان طالما سكنه اللوم والشك. شعرت في تلك اللحظة أن شيئا ما قد تغير لا بشكل درامي بل تغييرا عميقا وبطيئا كتبدل اتجاه نهر بعد عائق طويل.
اليوم حين أنظر إلى تلك السنوات التي غبت فيها لا أراها فقط كقصة ظلم كشف في النهاية ولا كچريمة عائلية انتهت بإجراءات قانونية بل كدرس قاس في معنى المسؤولية. أدركت أن الثقة حين تمنح دون متابعة قد تتحول إلى باب يفتح على مصراعيه للاستغلال حتى من أقرب الناس. وأن النوايا الحسنة مهما كانت صادقة لا تعفي الإنسان من واجب الحضور والمساءلة.
وتعلمت أيضا أن الحب حين يختزل في المال وحده أو في تحويلات شهرية ورسائل متباعدة قد يترك فراغا لا يملؤه شيء. المال قد يؤمن السقف والطعام لكنه لا يمنح الطمأنينة ولا يحمي القلب من الوحدة ولا يعلم الطفل أنه مستحق للرعاية والاحترام. الحب الحقيقي يحتاج إلى حضور
إلى سؤال متكرر إلى عين ترى قبل أن تتفاقم الأمور وإلى أذن تسمع ما يقال وما يخفى على حد سواء.
هذه القصة لم تغير حياة أوليفيا وحدها بل غيرتني أنا أيضا. جعلتني أراجع قراراتي القديمة وأفهم أن النجاح لا يقاس فقط بما نحققه خارج بيوتنا بل بما نحافظ عليه داخلها. وأن أقسى أشكال الفشل هو أن نكون ناجحين في كل شيء إلا في حماية من نحب.
وإن كنت قد وصلت إلى هنا في القراءة وتوقفت عند هذه الكلمات فدعني أطرح عليك السؤال ذاته الذي أطرحه على نفسي كل يوم دون أن أبحث له عن إجابة سهلة
كيف كنت ستتصرف لو عدت إلى بيتك بعد خمسة عشر عاما ووجدت ابنك أو ابنتك يعيش بهذه الطريقة
هل كنت ستغضب فقط وتترك الڠضب يقود قراراتك
أم كنت ستجلس وتستمع حتى لو كان السماع مؤلما
هل كنت ستبحث عن مذنب تلقي عليه كل اللوم
أم كنت ستتعمق أكثر وتبحث عن الجذور التي سمحت لكل ذلك أن يحدث بصمت
ربما لا نملك جميعا فرصة لتصحيح أخطاء الماضي لكننا نملك دائما فرصة أن نكون أكثر وعيا في الحاضر. وربما تكون إجابتك أو حتى مجرد تفكيرك في هذه الأسئلة سببا في أن يجد شخص ما في مكان ما الشجاعة ليقول لأول مرة
ما يحدث لي ليس طبيعيا وأنا أستحق الأفضل





