قصص قصيرة

طفلة في السابعة شعرت أن شخصًا غريبًا يتبعها… وما فعلته بعدها أنقذ حياتها

من خلفها تحرك الرجل.
لكن هذه المرة
لم يقترب.
رأته إيما بطرف عينها وهو يتراجع نصف خطوة ثم يثبت مكانه.
كان الضوء قد كشف ملامحه جزئيا
وجه جامد عينان متوترتان وعضلات مشدودة كأن حساباته تغيرت فجأة.
لم يعد الوضع كما خطط له.
الضوء موجود.
والصوت أعلى مما يجب.
ثم حدث ما لم يكن يتوقعه أحد.
انفتح الباب.
بصوت حاد اندفع الباب إلى الداخل وظهر رجل في منتصف العمر عريض الكتفين يرتدي ملابس منزلية بسيطة.
كانت ملامحه مشدودة وعيناه تنتقلان بسرعة بين إيما وبين الرجل الواقف أسفل الدرج.
ما الذي يحدث هنا
قالها بصوت مرتفع لا يحمل خوفا بل حزما.
ظهرت زوجته خلفه مباشرة يدها على إطار الباب وعيناها متسعتان حين رأت الطفلة ترتجف.
تشبثت إيما بحقيبتها لم تستطع الكلام للحظة.
كان صوتها قد تكــ,,ـــــسر لكن وجودهما وحده كان كافيا.
التفت الرجل الغريب فورا.
لم يقل شيئا.
لم يحاول التبرير.
لم يبتسم.
تجمد لثانية كأنه يقيس الموقف بسرعة خاطفة
ثم استدار.
خطواته كانت أسرع هذه المرة.
لا تردد فيها ولا تمهل.
خرج من المدخل وعاد إلى الشارع وابتلعه الظلام كما لو أنه لم يكن موجودا أصلا.
ظل الضوء مضاء.
وظل الباب مفتوحا.
وإيما
كانت ما تزال واقفة قلبها يخفق بقوة لكن الخطرللمرة الأولى منذ دقائق طويلةكان يبتعد.
لم تختف رعشة يدي إيما فورا.
كانت ما تزال واقفة قرب الباب المفتوح حقيبتها الوردية مشدودة إلى صدرها وكأنها تمسك بشيء يربطها بالواقع.
كان الضوء في الممر ساطعا على غير العادة يفضح كل زاوية وكل ظل كان قبل دقائق فقط مصدر خوف غامض.
تنفست بعمق مرة ثم ثانية.
لكن قلبها ظل يخفق بسرعة كأنه لم يصدق بعد أن الخطر ابتعد.
انحنى الرجل الذي فتح الباب قليلا ليكون في مستوى نظرها وقال بصوت أخف هذه المرة
هل أنت بخير
أومأت إيما برأسها ببطء دون أن تنبس بكلمة.
كانت الكلمات حاضرة في عقلها لكنها لم تجد طريقها إلى فمها بعد.
وضعت زوجته يدها برفق على كتف إيما حركة صغيرة لكنها كانت كافية لتجعل الطفلة تشعرللمرة الأولى منذ دقائقبالأمان.
أمان حقيقي له وزن وحرارة.
تعالي إلى الداخل قليلا قالت المرأة بنبرة دافئة اجلسي هنا حتى نطمئن عليك.
ترددت إيما للحظة ثم خطت خطوة صغيرة إلى داخل الشقة.
لم تكن تحب دخول بيوت الغرباء لكن هذا المكان لم يشعرها بالغربة.
رائحة القهوة الخفيفة وأصوات الحياة العادية كــ,,ـــــسرت ذلك الإحساس الذي سيطر عليها في الخارج.
جلست على طرف الأريكة وما تزال تمسك بحقيبتها.
نظرت إلى الأرض ثم إلى يديها ولاحظت كيف كانتا ترتجفان.
أين يسكن والداك سأل الرجل بهدوء.
أشارت إيما بيدها الصغيرة نحو الأعلى.
في الطابق الثالث الشقة الأخيرة.
تبادل الزوجان نظرة سريعة ثم قال الرجل
سأصعد معك بعد قليل فقط نريد التأكد أنك بخير أولا.
جلست المرأة بجانبها وقدمت لها كوب ماء.
اشربي قالت بلطف سيساعدك ذلك.
أمسكت إيما الكوب بكلتا يديها وارتشفت رشفة صغيرة.
كان الماء باردا منعشا وأعاد إليها شيئا من السيطرة على جسدها.
وبينما كانت تجلس هناك بدأت التفاصيل تعود إلى عقلها بوضوح أكبر.
الرجل الأسود.
الشارع الفارغ.
الخطوات خلفها.
رفعت رأسها فجأة وقالت بصوت خافت لكنه واضح
كان يسير خلفي
تصلب وجه الرجل فورا.
هل أنت متأكدة
أومأت إيما.
نعم لم يكن ينتظر أحدا. كان ينظر إلي فقط.
ساد صمت قصير.
قالت المرأة بهدوء
ما فعلته كان صحيحا. ذكيا جدا.
نظرت إيما إليها باستغراب.
لم تكن تشعر بالذكاء.
كانت تشعر فقط بأنها خافت ثم تصرفت.
هل أخبرك أحد أن تفعلي ذلك سأل الرجل.
ترددت إيما ثم قالت
أبي قال لي إذا شعرت بالخطر لا أختبئ بل أشغل الضوء وأطلب المساعدة.
ابتسمت المرأة ابتسامة خفيفة.
أبوك رجل حكيم.
بعد دقائق قليلة صعد الرجل مع إيما إلى شقتها.
وقف أمام الباب حتى فتحت الأم التي تجمدت ملامحها حين رأت ابنتها شاحبة متوترة وعيناها محمرتان.
إيما!
انحنت الأم بسرعة واحتضنت ابنتها بقوة وكأنها تحاول أن تتأكد أنها حقيقية وأنها بين ذراعيها فعلا.
روت إيما ما حدث بصوت متقطع وكلما تقدمت في الحديث كانت ذراعا أمها تشتدان حولها أكثر.
وصل الأب بعد دقائق من العمل وقد بدت ملامحه مشدودة منذ أن أخبرته زوجته بما جرى.
جلس أمام إيما واستمع لكل كلمة دون أن يقاطعها.
وحين انتهت لم يقل شيئا في البداية.
مد يده فقط ووضعها فوق يدها الصغيرة.
أنا فخور بك قالها بهدوء عميق.
رفعت إيما رأسها ونظرت إليه.
حتى لو خفت
ابتسم.
الشجاعة لا تعني ألا نخاف.
الشجاعة أن نعرف ماذا نفعل رغم الخوف.
في تلك الليلة لم تنم إيما بسهولة.
كانت تستعيد المشهد مرة بعد أخرى لكنه لم يكن مخيــ,,ـــــفا كما توقعت.
كان مختلفا.
لأنها هذه المرة
لم تكن الضحية الصامتة.
في تلك الليلة بدا البيت مختلفا.
لم تتغير الجدران ولم يتبدل الأثاث لكن الإحساس تغير.
كأن الهواء نفسه صار أهدأ وأكثر دفئا وكأن شيئا غير مرئي عاد إلى مكانه الصحيح.
جلست إيما على سريرها تضم دميتها إلى صدرها بينما كانت أمها تجلس إلى جانبها تمسد شعرها ببطء.
لم تكن إيما تبكي لكنها كانت صامتة أكثر من المعتاد غارقة في أفكار أكبر من عمرها.
هل ستعودين غدا من المدرسة وحدك سألت الأم برفق.
رفعت إيما كتفيها الصغيرتين.
لم تعرف ماذا تجيب.
دخل الأب الغرفة بهدوء وجلس على طرف السرير.
نظر إلى ابنته طويلا ثم قال
ما حدث اليوم كان صعبا لكنك تصرفت بالشكل الصحيح.
لمعت عينا إيما قليلا.
كنت خائفة
أجابها بهدوء
الخوف لا يختفي دائما. لكنه لا يجب أن

يسكتنا.
في اليوم التالي لم تعد الأمور كما كانت تماما.
رافق الأب إيما إلى المدرسة أمسك يدها بقوة خفيفة لا ليحميها فقط بل ليخبرهادون كلماتأنها ليست وحدها.
وحين تركها عند البوابة انحنى إليها وقال
تذكري أنت أقوى مما تظنين.
مرت الأيام وعادت الحياة إلى إيقاعها الطبيعي.
لكن شيئا واحدا بقي.
صار الضوء في مدخل العمارة يترك مشغلا في المساء.
وصار الجيران يتبادلون التحية أكثر.
وصارت الأمهات ينتبهن إلى عودة أطفالهن لا بدافع الخوف وحده بل بدافع الوعي.
أما إيما
فقد تغيرت بهدوء.
لم تصبح طفلة مختلفة في تصرفاتها اليومية لكنها صارت تعرف شيئا لم تكن تعرفه من قبل
أن صوتها له قيمة.
وأن إحساسها ليس وهما.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى