قصص قصيرة

قصر المنصوري

“كنت مجرد خادمة لا يلتفت لها أحد… إلى أن وقفت أمام يد كانت على وشك أن تهبط على طفلة صغيرة، وتلقيت الضربة بدلًا عنها… والرجل الذي كانت المدينة كلها تهابه، رأى كل شيء بعينيه.”

الجزء الأول

في الليلة التي تلقيت فيها صفعة لم تكن موجهة لي أصلًا… فهمت أخيرًا السر الحقيقي لذلك القصر.

الأطفال هناك لم يكونوا يبكون لأنهم مدللون…
بل لأن ما فيش شخص واحد امتلك الشجاعة الكافية ليحميهم.

كانت “نادين” ترفع يدها بعصبية، متجهة مباشرة نحو وجه الطفلة “ليان”.

ما فكرت.
ما سألت نفسي إذا كنت هتطرد.
ولا إذا كنت هرجع للشارع من جديد.
ولا حتى إذا كان أحد سيصدق خادمة بسيطة أمام امرأة ترتدي الحرير والماس وتحمل اسمًا يخشاه رجال كثيرون في القاهرة.

كل اللي شفته…
طفلة عمرها سبع سنين مغمضة عينيها، مستنية الضربة.

وخلفها أخوها الصغير “آدم”، عنده خمس سنوات، واقف متجمد في مكانه، حاضن عربيته اللعبة كأنها الشيء الوحيد اللي باقي يحميه من الدنيا.

ولهذا… تحركت.

وقفت قدامهم مباشرة.

الصفعة نزلت على كتفي ورقبتي بعنف لدرجة إن صوت الطنين ملّى ودني.

نادين صرخت بغضب:
“إنتِ اتجننتي يا خدامة؟! فاكرة نفسك مين؟!”

ضغطت على أسناني، ومديت دراعاتي أحاوط الطفلين.
وقلت بصوت مهزوز:
“ما تضربيهمش.”

ليان تعلقت بطرف هدومي.
أما آدم… فبدأ يبكي بصمت.

وده كان أقسى من الصفعة نفسها.

لأن الطفل ما بيتولدش فاهم يعني إيه يبكي من غير صوت…
هو بيتعلم ده لما يكتشف إن البكاء بصوت عالي بيجيب الأذى.

كنت بشتغل في قصر “المنصوري” من حوالي تلات شهور.

القصر كان في التجمع الخامس، خلف بوابات حديد ضخمة، وكاميرات مراقبة في كل زاوية، وحدايق مرتبة بشكل مثالي، ورخام لامع كأن المشي عليه ممنوع.

وصلتني الوظيفة عن طريق مكتب توظيف.

مرتب ممتاز.
غرفة خاصة.
أكل وتأمين.

وبالنسبة لبنت زيي…
ده كان أقرب لمعجزة.

اسمي “مريم عادل”.

كبرت في دار أيتام بعدما فقدت أمي وأبويا في حريق وأنا عندي تسع سنين.

واتعلمت بدري إن البنت اللي ما عندهاش أهل… لازم تصغر نفسها علشان تعرف تعيش.

اشتغلت في بيوت كانوا يعاملوني فيها كأني شفقة.
وفي أماكن كانوا ينقصوا مرتبي لأن محدش هيسأل عليا.
ونمت ليالي كتير وأنا حاطة كرسي خلف الباب خوفًا من البشر.

وعشان كده…
أول ما شفت ليان وآدم، فهمتهم فورًا.

مش بسبب هدومهم الغالية.
ولا ألعابهم المستوردة.
ولا حتى القصر.

عرفتهم من نظراتهم.

الأطفال اللي عايشين في خوف عندهم نفس العيون في كل مكان.

يراقبوا إيد الكبير قبل ملامحه.
يقيسوا صوت الخطوات في الممرات.
ويعرفوا إمتى يكون الصمت أخطر من الصريخ.

نادين كانت الزوجة الثانية لـ “عمر المنصوري”.

وعمر المنصوري كان من الرجال اللي الناس ما تنطقش اسمهم بصوت مرتفع.

رجل أعمال مشهور.
عنده شركات عقارات وأمن ومطاعم.

لكن الخدم كانوا يهمسوا بحكايات أغمق.

كانوا يقولوا إن اللي يخونه ما بياخدش فرصة ثانية.
وإن حتى أصحاب النفوذ يقللوا أصواتهم لما يدخل المكان.

أنا تقريبًا ما كنتش بشوفه.

يسافر كثير…
ويرجع متأخر…
وأحيانًا يختفي أسابيع كاملة.

لكن لما كان يرجع…

الأطفال كانوا يجروا نحوه بفرحة مترددة.

كأنهم يريدوا يرموا نفسهم في حضنه… لكن شيء داخلهم كان خايف.

كان يقبل جبينهم.
يسألهم عن المدرسة.
يوعدهم إنه هيقضي وقت أكثر معهم.

ثم يغلق على نفسه المكتب.

وساعتها…
نادين تستلم البيت.

قدامه كانت ملاك.

ترتب هدوم آدم.
تمشط شعر ليان.
وتقول بصوت ناعم:
“ولادك أهم حاجة عندي.”

لكن أول ما يخرج…
القناع يسقط.

“مش عايزة صوت.”
“مش عايزة لعب.”
“ممنوع العياط.”
“وإياكم أسمع اسم أمكم في البيت ده.”

ودي كانت أقسى قاعدة.

أم ليان وآدم كانت اسمها “سارة”.
توفيت بمرض في القلب وآدم ما زال رضيعًا.

ما كانش فيه صور كثيرة لها في القصر.
نادين أخفت أغلبها وكأن وجود الزوجة الأولى إهانة لها.

لكن الأطفال…
كانوا متعلقين بأمهم بشكل موجع.

مرة لقيت ليان تبكي في غرفة الغسيل.
كانت تمسك صورة قديمة مطوية.

امرأة جميلة بشعر أسود وابتسامة هادئة… ونفس عيون ليان.

همست لي:
“دي ماما… نادين بتقول إن بابا لسه زعلان بسببنا علشان إحنا ما بننساهش.”

ركعت قدامها وقلت:
“محدش غلطان لأنه بيحب أمه.”

ومن الليلة دي…

بدأت أترك لهم أكلًا حين تمنعهم نادين من العشاء.
أحكي لهم قصصًا قبل النوم.
أداوي الخدوش اللي ما كانتش من اللعب.
وأتعلم مزاج نادين من صوت كعبها على السلم.

لو نزلت بالكعب الأحمر…
يبقى في مشكلة جاية.

لو شربت بعد الظهر…
يبقى الأطفال لازم يختفوا.

ولو بدأت تتكلم مع صديقاتها عن المجوهرات والسفر و”تعب تربية عيال مش عيالها”…
كنت أعرف إن ليان وآدم لازم يبعدوا عن طريقها.

فصرت أقف بينهم وبين غضبها.

“أنا اللي كسرت الكوباية يا هانم.”
“أنا اللي نسيت الكتب.”
“أنا السبب.”

ونادين كانت تصب عليّ كل ما تريد أن تصبه عليهم.

إهانات.
دفع.
صفعات.
وتهديدات.

مرة قالت لي:
“إنتِ يتيمة وناسية نفسك. إحنا اللي طلعناكي من العدم ولسه فاكرة إن ليكي قيمة.”

خفضت رأسي.

مش لأني صدقتها…
لكن لأني كنت محتاجة أفضل في المكان.

لأن لو رحلت…
مين هيحميهم؟

اليوم ده بدأ بكوباية لبن.

آدم سكبها بالغلط على سجادة الصالون.

وشه الصغير شحب فورًا.
وهمس بخوف:
“آسف… والله آسف.”

نادين ظهرت عند الباب وقالت ببرود:
“فاشل.”

ليان وقفت فورًا أمام أخوها:
“كانت غلطة.”

نادين اقتربت منها بهدوء مخيف:
“محدش طلب رأيك.”

ثم رفعت يدها.

جريت بدون تفكير.

الصفعة نزلت عليّ.

نادين فتحت فمها لتصرخ…
لكنها توقفت فجأة.

لأننا سمعنا صوتًا آخر.

صوت باب القصر الرئيسي يُفتح بالأسفل.

نادين تجمدت.

والبيت كله كأنه توقف عن التنفس.

عمر رجع بدري.

لكن اللي ما كناش نعرفه…
إنه قبل ما يدخل أصلًا، كان شاف كل شيء من الحديقة عبر زجاج الدور الثاني.

واقف في الظلام…
ووجهه تحول لحجر.

شاف زوجته وهي ترفع يدها على ابنته.

الشيء الوحيد اللي فهمناه وقتها…
إنه ما صعدش فورًا.

نادين رجعت ابتسامتها خلال ثوانٍ.
وهمست لي بسم:
“ولا كلمة.”

ثم نظرت للأطفال:
“يلا نبتسم لبابا.”

ليان نظرت لي وكأنها تريد الصراخ.

هززت رأسي بهدوء.

لسه مش دلوقتي.

بعد دقائق، دخل عمر الصالون.

طويل.
بدلة سوداء.
وعيون تخوف أي شخص يلتقي بها.

نادين أسرعت نحوه تقبله:
“حبيبي! ما قلتش إنك راجع بدري.”

قبل خدها…
لكن نظره ما كانش عليها.

كان على كتفي.
ثم على ليان.
ثم آدم.

وقال بهدوء:
“رجعت بدري.”

صوته الهادئ أخافني أكثر من أي صراخ.

نادين بدأت تتكلم بسرعة عن العشاء والأطفال.

أما أنا فبقيت واقفة قرب الباب وكتفي يحترق.

ولما مر عمر بجانبي…
توقف.

وقال:
“اسمك إيه؟”

نادين ضحكت بخفة:
“الخدامة الجديدة يا حبيبي. مريم. لسه بتتعلم.”

لكنه لم ينظر إليها.

كرر:
“مريم.”

ثم سألني:
“إنتِ كويسة؟”

ولا شخص واحد في القصر كله سبق وسألني السؤال ده.

بلعت ريقي وقلت:
“أيوه يا فندم.”

لكن نظراته قالت إنه ما صدقش.

وفي الليل…
بعدما نومت الأطفال، دخلت غرفتهم ومعي لبن دافئ ومرهم لكدمة آدم.

ليان حضنتني بقوة حتى تألم كتفي.

همست:
“بابا شاف؟”

قلت:
“مش عارفة.”

آدم أمسك يدي الصغيرة وسأل:
“إنتِ هتمشي؟”

شيء داخلي انكسر.

قلت:
“لا.”

“وعد؟”

نظرت لوجوههم الصغيرة… وعيونهم المتعبة… وأيديهم اللي متعلقة بأي أمان.

وهمست:
“أوعدكم.”

وفي اللحظة نفسها…

داخل مكتب بعيد في القصر…
كان عمر المنصوري يشاهد تسجيلات كاميرات ظنت نادين أنها معطلة.

رأى العقاب.
رأى الغرف المغلقة.
رأى الكدمات.
ورأى خوف أولاده من مجرد رفع يد.

ثم سمع صوتي وأنا أعدهم إني لن أتركهم.

ولأول مرة منذ سنوات…
فهم أخطر رجل في البيت الحقيقة كاملة.

زوجته لم تدمر السلام فقط…

بل جعلت خادمة يتيمة…
تصبح الأمان الوحيد الذي عرفه أطفاله.

ولما وقف عمر من كرسيه…

كل الرجال الموجودين في المكتب فهموا شيئًا واحدًا:

نادين المنصوري…
لسه ما تعرفش إن نهايتها بدأت الليلة دي.

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى