قصص قصيرة

لقاء في الطائرة محمد نور

بعد مرور ثلاث سنوات على إعلان وفاة زوجي، أشار ابني ذو التسعة أعوام إلى رجل غريب يركب في درجة رجال الأعمال، وهمس بصوت مرتجف أمي هذا أبي!
ظننتُ أن الحزن والتخيلات يداعبان عقله الصغيرحتى ألمحتُ الندبة المميزة على ظهر يد الرجل. الندبة ذاتها التي لا يمكن أن يحملها أحد غير زوجي، وكان يجلس بجوار امرأة أخرى وكأننا لم نكن يوماً في حياته.
على مدار ثلاث سنوات، عشتُ مرارة الترمل.
أو هذا ما أجبرتُ نفسي على تصديقه.
اسمي سارة، ومنذ اليوم الذي اختفى فيه زوجي طارق خلال عاصفة بحرية عاتية قبالة سواحل الإسكندرية، وأنا أحمل ثقل وداع لم أتمكن من قوله أبداً. عثرت خفر السواحل على بقايا حطام، هاتف مكسور، وسترة متمزقة علقت بالحجارة، وكانت تلك أدلة كافية لإقناع العالم بأنه رحل عن دنيانا.
لكنهم لم يعثروا على جثته قط.
ورغم ذلك، أصدرت الجهات الرسمية شهادة وفاته.
باردة. رسمية. وحاسمة.
تعلمتُ أنا وابني إياد كيف نواصل الحياة وسط هذا الفراغ الموحش.
في سن التاسعة، أصبح إياد أكثر صمتاً مما ينبغي لأي طفل في عمره. قال طبيبه النفسي إن الصدمة غيرت طريقة رؤيته للعالم؛ حتى إنه توقف عن رسم الأبواب في بيوت تلوينه، لأنه يعتقد في قلبه أن كل باب مفتوح هو طريق لغياب شخص ما إلى الأبد.
لهذا السبب بالذات خططتُ لرحلتنا إلى دبي.
أردتُ بعض الأمل والشمس.
أردتُ أن أسمع ضحكته مجدداً.
أردتُ أسبوعاً واحداً يستطيع فيه ابني التنفس دون أن يطارد طيف أبيه كل خطوة يخطوها.
بدأت الرحلة الجوية بشكل طبيعي جداً.
وفجأة تحطم كل شيء.
تجمد إياد فجأة في ممر الطائرة.
تصلب جسده الصغير تماماً، وغادرت الدماء وجهه حتى أصبح أبيض كالقماش.
همس بصوت مبحوح أمي
رفعتُ رأسي عن الكتاب الذي كنت أقرأه.
كانت عيناه معلقتين بالمقاعد الأمامية في درجة رجال الأعمال.
ذلك الرجل إنه أبي.
خفق قلبي بحدة حتى شعرت بألم في صدري.
كدتُ أضحك من هول الصدمة؛ فالأطفال يخطئون، ويرون الوجوه المألوفة في كل مكان هذا ما حاولتُ إقناع نفسي به.
لكن إياد لم يحرف نظره لحظة واحدة.
كرر همسه بنبرة قاطعة الرجل الذي يرتدي القبعة أمي، أنا متأكد أنه هو.
سرت قشعريرة باردة في جسدي.
تتبعتُ اتجاه نظراته.
كان هناك رجل يجلس في الصف الأخير من درجة رجال الأعمال، وإلى جواره امرأة أنيقة ترتدي ثوباً أبيض. كان يضع نظارات شمسية وقبعة، ولحية معتنى بها بدقة.
كان يبدو غريباً تماماً.
أو علىالأقل، هذا ما كان يفترض أن يكون عليه.
وفجأة مدّ يده ليتناول كأساً.
وهناك رأيتها!
الندبة.
ندبة متعرجة واضحة على ظهر يده اليسرى.
الندبة ذاتها التي أصيب بها طارق أثناء إصلاحه لمرسى القارب في إحدى عطلاتنا الصيفية. أتذكر تماماً كيف ضمّدتُ ذلك الجرح بنفسي بينما كان يضحك ويخبرني أن كل ندبة تحمل خلفها حكاية.
تجمدت الدماء في عروقي.
همستُ بذهول لا مستحيل.
وفجأة، أدار الرجل رأسه ببطء.
ولثانية واحدة مرعبة، التقت أعيننا من فوق إطار نظارته الشمسية وكانت نظرة الرعب والمفاجأة في عينيه كافية لتخبرني أنه عرفني أيضاً.
توقف كأسه في منتصف الطريق إلى فمه.
واستمرت المرأة الأنيقة التي بجانبه في الحديث، غير مدركة أن الميت قد نظر للتو مباشرة إلى عائلته التي تركها وخلفها وراءه.
ثم أدار الرجل وجهه بعيداً.
ليس ببطء.
ولا بعفوية.
بل أمال وجهه بسرعة نحو النافذة وكأن السحاب في الخارج أصبح فجأة أمراً مثيراً للإهتمام.
بدأت يداي ترتجفان.
همست لإياد ابقَ هنا.
أمسك بكمي بقوة أمي، لا تتركيني.
سأبتعد بضع خطوات فقط.
لا، انكسر صوته، ماذا لو اختفى مجدداً؟
وقعت كلماته عليّ كالصاعقة.
أمسكت بيده وعدت به نحو مقاعدنا، ولكن بدلاً من الجلوس، ضغطتُ على زر استدعاء المضيفة.
أقبلت إحدى المضيفات بابتسامة عملية هل كل شيء على ما يرام؟
حاولت الحفاظ على ثبات صوتي الرجل في الصف الأخير من درجة رجال الأعمال صاحب القبعة. هل يمكنك إخباري باسمه؟
تغيرت ملامحها فوراً أعتذر منكِ يا سيدتي، لا يمكننا الإفصاح عن بيانات المسافرين.
أعتقد أنه زوجي.
رمشت بذهول.

زوجي أُعلنت وفاته رسمياً قبل ثلاث سنوات.
نظرت المضيفة نحو درجة رجال الأعمال ثم عادت تنظر إليّ أفهم أن هذا الأمر محزن، لكنني لا أستطيع
أرجوكِ. سحبت هاتفي بأصابع ترتجف فتحت صورة قديمة.
كانت تظهر طارق وهو يقف في حديقة منزلنا، يضحك بينما يجلس إياد على كتفيه. كان شعره أقصر حينها، ولم تكن لديه لحية، لكن ملامحه لا يمكن أن تخطئها عين.
تأملت المضيفة الصورة، وزالت ابتسامتها الدبلوماسية، ثم نظرت نحو الرجل مجدداً، وقال بهدوء أرجو منكِ البقاء في مقعدكِ.
مشت للأمام واختفت خلف الستارة الفاصلة.
جلستُ بجوار إياد الذي كان شاحباً وشديد التوتر.
همس إنه هو.
ضممته إلى صدري أعلم.
كانت هذه أول مرة أقول فيها هذه الكلمات بصوت عالٍ. وفي اللحظة التي نطقت بها، تحول حزن ثلاث سنوات إلى شيء جديد تماماً تحول إلى غضب عارم.
تذكرتُ مراسم العزاء.
التابوت فارغ.
الصورة الموضوعة في إطار محاط بالزهور البيضاء.
تذكرتُ والدته وهي تنهار بين ذراعي عندما طلب منا الشيخ الصبر والاحتساب.
تذكرتُ المعاملات الرسمية وتوقيع الأوراق وأنا أرتجف، وتذكرت إياد عندما يستيقظ في منتصف الليل ليسألني إن كان والده قد شعر بالخوف لحظة الغرق، وتذكرتُ بيع منزلنا القريب من البحر لأننا لم نعد نتحمل صوت الأمواج ولا العواصف.
كل ذلك الألم
كل تلك الدموع
وكان طارق على قيد الحياة!
يجلس في درجة رجال الأعمال، يرتدي نظارة شمسية فاخرة، بجوار امرأة أخرى!
فتحت الستارة، وعادت المضيفة مع أحد أفراد طاقم الطائرة.
قالت بصوت خفيض سيدة سارة المسافر يسافر تحت اسم دانيال.
لم يعنِ لي الاسم شيئاً، لكن ملامح وجهها كانت تؤكد أنها هي الأخرى لم تصدق ادعاءه.
وأضاف الموظف لقد قدم وثائق إثبات شخصية رسمية، ولا يمكننا إجباره على التحدث إليكِ.
إذن أسألوه لماذا يحمل نفس الندبة التي على يد زوجي؟
خفضت المضيفة صوتها هو يقول إنه لا يعرفكِ.
أصدر إياد صوتاً مكسوراً.
وقفتُ قبل أن يتمكن أحد من إيقافي، فرفع الموظف يده سيدتي، عليكِ البقاء في مقعدكِ.
لا!
سيدة سارة
ابني عاش ثلاث سنوات يعتقد أن والده مات غرقاً! ذلك الرجل أدار رأسه ورآنا وركبه الرعب! لن أجلس هنا وأتظاهر أن كل شيء طبيعي!
بدأ العديد من المسافرين القريبين منا يتابعون الموقف، وظهرت الهواتف، وسرت الهمسات في الكابينة.
التفتت المرأة ذات الشعر الأشقر في درجة رجال الأعمال، وتحولت نظراتها مني إلى إياد، ثم إلى الرجل الذي بجانبها، ورأيت الحيرة ترتسم على وجهها.
ناديت بأعلى صوتي طارق!
لم يتحرك الرجل.
طارق!
تصلبت كتفاه وكان ذلك كافياً.
التفتت المرأة الأشقر نحوه بالكامل دانيال؟
مال نحوها وقال شيئاً لم أتمكن من سماعه، فابتعدت عنه وقوقالت من هذه؟
لم يجيبها.
تقدمتُ نحو الستارة، فاعترض الموظف طريقي سيدتي، أرجوكِ اجلسي الآن.
زوجي يقف هناك!
أنتِ تسببين إزعاجاً للمسافرين.
زوجي الميت يقف هناك!
خرجت الكلمات مني كالصاروخ، فعمّ الصمت الطائرة بأكملها.
وأخيراً وقف طارق.
خلع نظارته الشمسية.
وتوقف الزمن!
تغيرت ملامحه بسبب اللحية، وخسارته لبعض الوزن، والتجاعيد الخفيفة حول عينيه جعلته يبدو أكبر سناً لكنه كان هو!
العيون ذاتها.
الانحناءة ذاتها في أنفه.
والأثر الصغير في حافبه الأيمن إثر حادثة دراجة في طفولته.
حدّق فيه إياد بابا؟
نظر طارق إلى ابننا. ولثانية واحدة، انكسر شيء بشري في ملامح وجهه ألم، تمييز، ورائحة حب قديم.
ثم اختفى كل شيء.
قال بصوت جاف اسمي دانيال.
بدأ إياد بالبكاء، ليس بصوت عالٍ بل كان يبكي بصمت وتتساقط الدموع على خديه وهو ينظر إلى الأب الذي علّمه يوماً كيف يركب الدراجة، والحديث عن المستقبل، ووعده ألا يفوت عيد ميلاده أبداً.
همس إياد لقد قلت إنك ستعود
تشنج وجه طارق.
وقفت المرأة ما الذي يحدث هنا؟
أمسك ذراعها فاطمة، اجلسي.
دفعت يده من هذا الطفل؟
إنه متلخبط.
صرخ إياد أنا لستُ متلخبطاً!
تدخل أفراد الطاقم بيننا، بينما كانت فاطمة تنظر إلى طارق برعب متزايد دانيال، أجبني!
جاء صوت الكابتن عبر مكبرات الصوت يطلب من الجميع الالتزام بمقاعدهم بسبب مطبات جوية متوقعة.
أعادتني المضيفة للوراﺀ، وظلت فاطمة واقفة تنظر إلى إياد، ثم نظرت إلى الصورة التي ما زالت معروضة على شاشة هاتفي، وفغرت فمها من الصدمة.
تحدث طارق بسرعة فاطمة، هذه صورة قديمة، أستطيع الشرح
كم عمر هذه الصورة؟
لم يجب.
كم عمر هذا الولد؟
قلتُ لها تسع سنوات.
نظرت فاطمة إلى طارق لقد أخبرتني أنك لم تتزوج ولم تنجب من قبل!
أغمض عينيه.
اهتزت الطائرة وهز الجرس المنذر، وأمرتنا المضيفة بحزم بالجلوس.
عدتُ إلى مقعدي لأنني لم أستطع المخاطرة بسلامة إياد، لكنني أبقيت عينيّ على الستارة.
اختفى طارق خلفها، واختفت فاطمة أيضاً.
طوال الدقائق الأربعين التالية، لم يتكلم إياد كلمة واحدة. انكمش على نفسه بجوار النافذة، ممسكاً ببوصلة فضية صغيرة كان طارق قد أهداها له في عيد ميلاده السادس، وكان يحملها معه في كل مكان.
كان الحفر على ظهرها يقول إلى إياد حتى تجد طريقك إلى المنزل دائماً. مع حبي، والدك.
كرهت طارق بسبب تلك البوصلة الآن. كرهته على كل وعد تركه خلفه وغدر به.
اهتز هاتفي. وصلتني رسالة من رقم مجهول
لا تقتربي مني عند الهبوط. الأمر أكثر تعقيداً مما تفهمين.
حدقتُ في الشاشة، ثم ظهرت رسالة أخرى
من أجل سلامة إياد، تظاهري بأنكِ أخطأتِ في التعرف علي.
ادعاني الخوف مجدداً، فكتبتُ له
هل تهدد ابنك؟
ظهرت ثلاث نقاط تعبر عن الكتابة ثم اختفت، ولم يصلني أي رد.
قمتُ بإظهار الرسالة للمضيفة، فصوّرتها وأبلغت الكابتن.
عندما هبطنا في دبي، كانت أجهزة الأمن في انتظارنا عند البوابة.
بقي المسافرون في مقاعدهم بينما صعد ضابطان. حاول طارق المغادرة من المقصورة الأمامية لكنهما أوقفاه. وكانت فاطمة تقف على بعد أقدام منه، تمسك بحقيبتها الجلدية البيضاء وتطوقها بيديها، وبدت غاضبة ومصدومة.
اقترب

1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى