قصص قصيرة

اختفيتُ بعد الطلاق… وحين ظنّوني غير مرئية، دمّروا أنفسهم بأفواههم

اسمي هانا كول وبعد طلاقي اختفيت عن قصد.
ليس لأنني أردت الانتقام ولا لأنني رغبت في التجسس بل لأنني كنت أريد فقط أن أعيش.
حين تركني مارك زوجي لمدة اثني عشر عاما من أجل زميلته في العمل ليديا لم يأخذ معه الزواج فقط بل أخذ بيتنا ومعظم مدخراتنا وتلك النسخة من نفسي التي كنت أعرفها. حكمت المحكمة بما وصفته بأنه حكم عادل وهو حكم انتهى بأن خرجت مثقلة بالديون وأسكن شقة صغيرة من غرفة واحدة.
قصصت شعري قصيرا وصبغته بلون داكن وتوقفت عن وضع مساحيق التجميل. كنت بحاجة إلى عمل يدر المال بسرعة ولا يطرح أسئلة فصرت سائقة سيارة أجرة في نوبة الليل بمدينة شيكاغو. ساعات طويلة أحاديث هادئة ووجوه لا تنظر إلي طويلا بما يكفي لتتذكرني.
ذلك التخفي أنقذني.
بعد ثلاثة أشهر من العمل وفي ليلة خميس ماطرة أقللت راكبين قرب فندق في وسط المدينة. جلسا في المقعد الخلفي يضحكان وقد كانا مندمجين في حديث بدأ قبل صعودهما. لم أنظر إليهما في المرآة في البداية. لم يكن ذلك ضروريا.
ثم سمعت ضحكته.
اشتدت قبضتي على عجلة القيادة.
مارك.
وليديا.
لم يتعرفا إلي. لا الشعر ولا النظارات ولا الصمت. كنت مجرد سائقة.
قالت ليديا بنبرة ساخرة
هل تعتقد حقا أنها صدقت كل شيء
قهقه مارك وقال
بالطبع. كانت تثق بي دائما.
تثق.
انقبضت معدتي.
وتابعت ليديا
وماذا عن الحساباتهل كل شيء نظيف
اتكأ مارك إلى الخلف وقال بثقة
الحساب الخارجي آمن. اسمها لم يحذف رسميا فقط دفن. وبحلول الوقت الذي تكتشف فيه الأمر ستكون مدة التقادم قد حمتنا.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
سألت ليديا
وأنت متأكد أن قاضي الطلاق لم يلاحظ شيئا
ضحك مارك وقال
تأكدت من ذلك. تلك الخدمة كلفتني أقل من راتب شهر.
أخطأت طريقا عندها.
ولم ينتبه أي منهما.
واصلا الحديث عن إقرارات مزورة وأصول مخفية وعن كوني عاطفية أكثر من اللازم لأخوض أي مواجهة قانونية.
ثم قال مارك شيئا جعل قلبي يخفق بعنف حتى خشيت أن يسمعا صوته
لن تربط الأمور ببعضها أبدا خصوصا الآن.
عندها انحنت ليديا إلى الأمام وقالت
جيد لأننا إن اكتشفت الحقيقة يوما فسننتهي.
ساد الصمت داخل السيارة بعد ذلك.
عندما أوصلتهما ألقى مارك بورقة نقدية على المقعد وقال
احتفظي بالباقي.
ابتسمت في المرآة الخلفية وقلت
ليلة سعيدة.
نزلا ومضيا في طريقهما.
أما أنا فبقيت في السيارة أرتجف.
لأنني أدركت في تلك الليلة أن طلاقي لم يكن مجرد ظلم.
بل كان مدبرا.
وأخيرا أصبحت أعرف ما يكفي لأفعل شيئا حياله.
قدت السيارة إلى المنزل وأنا في حالة ذهول ولم أنم تلك الليلة.
في صباح اليوم التالي دونت كل شيء كل كلمة وكل تفصيل وكل تاريخ ذكراه. عدت إلى أوراق الطلاق القديمة للمرة الأولى منذ أشهر لكن هذه المرة بعين مختلفة. ما كنت قد قبلته سابقا باعتباره لغة قانونية معقدة بدا لي الآن متعمدا ومقصودا.
تواصلت مع مركز للمساعدة القانونية باسم مختلف وطرحت سؤالا بسيطا
ماذا يحدث إذا تم إخفاء أصول مالية عمدا أثناء الطلاق
كان الجواب كفيلا بتغيير كل شيء.
قال المحامي
هذا يعد احتيالا ويمكن إعادة فتح الحكم.
بدأت بجمع الأدلة.
على مدى الأسابيع التالية تتبعت بهدوء خيوطا مالية متناثرة. رسائل بريد إلكتروني قديمة كان مارك يظن أنني حذفتها. أرقام حسابات لم أفهمها آنذاك. تحويلات مالية تطابقت تماما مع ما تفاخر به في سيارة الأجرة.
وقمت أيضا بشيء محفوف بالمخاطر.
أقللتهما مرة أخرى.
نفس الفندق. نفس الضحك. نفس الغرور.
لكن هذه المرة شغلت كاميرا القيادة ومسجل الصوتمعدات أمان قياسية للسائقين. قانونية. تعمل تلقائيا. لم أطرح أسئلة. قدت فقط.
وتحدثا.
عن المال. عن القضاة. عن كيف أن هانا ضعيفة.
أصبح ذلك التسجيل ورقة قوتي.
سلمت كل شيء إلى محامية أوصت بها العيادة القانونية. كانت امرأة في منتصف الأربعينيات هادئة الملامح لا تكثر الكلام لكنها تصغي وكأنها تفكك الكلمات قطعة قطعة. جلست أمامها لساعات أسرد ما حدث من أول رسالة بريد قديمة إلى آخر كلمة سمعتها في سيارة الأجرة تلك الليلة.
لم تقاطعني. لم تبد دهشة. لم تغير تعابير وجهها إلا مرة واحدة.
عندما انتهيت أغلقت الملف ببطء رفعت نظرها إلي وابتسمت للمرة الأولى.
ابتسامة صغيرة لكنها كانت كافية لتربكني.
قالت بهدوء محسوب
هل تعلمين ما الذي فعلوه
هززت رأسي.
قالت
لقد قدموا لك هدية لقد اعترفوا وبأصواتهم.
في تلك اللحظة شعرت بشيء يتحرك داخلي. لم يكن فرحا ولم يكن خوفا. كان إحساسا جديدا علي تماما إحساسا بأن الأرض التي كنت أقف عليها طوال السنوات الماضية لم تكن ثابتة وأنني أخيرا بدأت أستعيد توازني.
تحركت المحكمة بسرعة غير مألوفة.
كأن النظام الذي تجاهلني سابقا قرر أخيرا أن يصغي.
صدرت أوامر الاستدعاء تباعا.
جمدت الحسابات التي طالما قيل لي إنها غير موجودة.
تعاون البنك الخارجي فورا ما إن ذكرت كلمات الاحتيال والرشوة رسميا وتحولت السرية التي احتمى بها مارك طويلا إلى عبء ثقيل عليه.
في غضون أيام تبدد ثباته.
الرجل الذي كان يضحك في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة واثقا من أنه أذكى من الجميع انهار بسرعة مقلقة.
بدأ يحاول التواصل معي.
في البداية كانت رسائل قصيرة باردة اختبارية.
ثم تحولت إلى رسائل طويلة متناقضة.
اعتذارات يتبعها لوم.
ندم يتبعه تهديد مبطن.
محاولات لاستدرار الشفقة ثم محاولات لبث الخوف.
قرأتها كلها.
ولم أرد على واحدة منها.
كانت تلك المرة الأولى منذ سنوات التي أشعر فيها أن الصمت ليس ضعفا بل قوة.
جلسة المحكمة المعدلة كانت مختلفة تماما عن الجلسة الأولى التي خرجت منها مهزومة.
هذه المرة لم يكن مارك

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى