
اختفيتُ بعد الطلاق… وحين ظنّوني غير مرئية، دمّروا أنفسهم بأفواههم
مرتاحا.
لم يكن واثقا.
لم يكن ذلك الرجل الذي دخل القاعة سابقا وهو يعلم أن كل شيء محسوم لصالحه.
لم تكن ليديا حاضرة.
ربما نصحه محاموه بذلك.
أو ربما اختفت حين أصبح الخطر حقيقيا.
جلست في القاعة بهدوء لا أرتجف لا أخفض بصري.
استمع القاضي.
تحدثت الأدلة.
توالت التسجيلات.
انكشفت التواريخ.
وتحولت التفاصيل التي بدت يوما معقدة إلى صورة واضحة لا تقبل التأويل.
وفجأة وجدت نفسي أقف هناك أنا ذاتها المرأة التي وصفها مارك بأنها عاطفية أكثر من اللازم أحمل حقائق وتسجيلات ووثائق وسياقا كاملا لا يستطيع إنكاره أو الالتفاف عليه.
لم أرفع صوتي.
لم أهاجم.
لم أطلب الشفقة.
تركت الحقيقة تقوم بعملها.
جاء الحكم حاسما بلا تردد.
أعيد توزيع الأصول.
فرضت غرامات قاسية.
وأحال القاضي أجزاء من القضية إلى الادعاء العام لمتابعة شبهات الرشوة والتلاعب.
عندما انتهت الجلسة وبدأ الناس بمغادرة القاعة رأيت مارك يقف للحظة ثم يخفض رأسه ويتجنب النظر إلي.
لم أشعر بالانتصار.
لم أشعر بالشماتة.
شعرت بشيء أعمق من ذلك بكثير.
شعرت بالحرية.
بعد شهر تركت قيادة سيارات الأجرة.
ليس لأنني كنت أشعر بالخجل منها ولا لأنني أردت محو تلك المرحلة من حياتي بل لأنني لم أعد بحاجة إلى الاختباء خلفها.
لم أعد بحاجة إلى أن أكون غير مرئية.
انتقلت إلى شقة متواضعة لكنها مليئة بالضوء.
بدأت عملا جديدا.
أعدت ترتيب أيامي.
وتعلمت مجددا كيف أنام ليلا دون أن يوقظني القلق.
يسألني الناس أحيانا بعد أن يسمعوا القصة كاملة إن كنت قد خططت لكل ما حدث منذ البداية
إن كان تحولي إلى سائقة أجرة ليلا خطوة محسوبة في مخطط انتقامي طويل ومعقد
وكأنني كنت أعد لكل تفصيل بهدوء وأنتظر اللحظة المناسبة لأسقط الجميع دفعة واحدة.
أفهم لماذا يظنون ذلك.
العقل البشري يحب القصص التي تبدأ بخطة وتنتهي بانتصار.
يحب أن يصدق أن كل سقوط يخفي خلفه عقلا ماكرا ينتظر الفرصة.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى في آن واحد.
أجيبهم دائما بالحقيقة حتى لو خيبت توقعاتهم.
لم يكن الأمر كذلك.
لم يكن انتقاما.
لم يكن ذكاء خارقا.
ولم يكن رغبة في إثبات شيء لأي أحد.
كان بقاء.
كان محاولة يائسة لأن أستمر في العيش حين انهار كل ما كنت أعرفه عن نفسي
حين صرت فجأة امرأة بلا بيت بلا أمان وبلا صوت مسموع.
كنت أبحث فقط عن مساحة ألتقط فيها أنفاسي
عن مكان لا ينظر إلي فيه بصفتي الخاسرة
عن دور لا يطلب مني فيه أن أشرح كيف انتهى زواجي
ولا أن أبرر لماذا لم أقاتل أكثر
ولا أن أتحمل نظرات الشفقة أو الاتهام المستتر.
أردت أن أكون شخصا لا يسأل كثيرا
لا يلاحظ كثيرا
ولا يتوقع منه شيء.
وفي ذلك الاختفاء تعلمت درسا لن أنساه ما حييت.
حين يظن الناس أنك غير مرئية
حين يعتقدون أنك خرجت من الحسابات
حين يفترضون أنك صرت تفصيلا هامشيا في قصة انتهت
وحين يستخفون بصمتك ويظنونه استسلاما
فإنهم يتوقفون عن الحذر.
يتحدثون أكثر مما ينبغي.
يضحكون بثقة زائدة.
يعترفون دون أن يشعروا.
ويكشفون ما كانوا سيخفونه لو اعتقدوا أنك ما زلت قادرا على الفعل.
الصمت حين يساء فهمه يتحول إلى مرآة.
والمرآة لا تجامل أحدا.
إن سبق لك أن استهين بك
إن جرى تجاهلك لأنك لم تصرخ
إن شطبت من معادلات لأنك آثرت الهدوء
إن وصفت بأنك ضعيف فقط لأنك لم تدخل معركة خاسرة
فتذكر هذا جيدا
لحظات صمتك ليست ضائعة.
ليست فراغا.
ليست هروبا من المواجهة.
هي مساحة تجمع فيها نفسك من جديد.
هي الوقت الذي تعيد فيه ترتيب أفكارك دون ضجيج.
هي المرحلة التي تتعلم فيها أن ترى الأمور بوضوح لا بانفعال.
الصمت لا يعني أنك لا ترى.
بل يعني أنك ترى أكثر مما يظنون.
وإن جعلك هذا النص تتوقف للحظة
أو تعيد النظر في قصة ظننت أنها انتهت
أو تشعر بأنك لست وحدك في تجربة الإقصاء والتقليل
فشاركه.
اترك تعليقا.
تحدث عنه.
لأن كثيرين يعيشون نهايات ظالمة
ثم يقنعون أنفسهم بأن تلك النهاية هي السقف
هي الحد الأقصى
هي آخر ما يمكنهم الوصول إليه.
لكن الحقيقة غير ذلك تماما.
أحيانا لا تحتاج العدالة إلى صراخ عال
ولا إلى مواجهة مباشرة
ولا إلى استعراض قوة أمام الجميع.
أحيانا تعمل العدالة بهدوء
تتحرك في الظل
وتنتظر اللحظة التي يطمئن فيها الطرف الآخر أكثر مما ينبغي.
أحيانا لا تحتاج إلا إلى أن تكون حاضرا
منصتا
متماسكا
في المكان المناسب
وفي اللحظة المناسبة
حين يعتقد الآخرون أن أحدا لا يراقب
ولا يسمع
ولا يتذكر.





