قصص قصيرة

مليونير قرّر زيارة بيت خادمته فجأة… وما اكتشفه خلف ذلك الباب غيّر حياته للأبد!

لم يكن في نيته ذلك الصباح أن يغير مجرى حياته ولا أن يقترب من حقيقة ظل يتجاهلها سنوات طويلة. كل ما في الأمر أن قرارا بسيطا وفضولا خافتا دفعاه إلى أن ينعطف عن طريقه المعتاد.
في صباح يوم خميس كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل بين أوراق الأشجار العالية في حي لاس لوماس دي تشابولتيبيك وتنعكس على الواجهات اللامعة للقصور الهادئة. خرج إميليانو أرياغا من منزله الفخم مرتديا بدلته الداكنة وهو رجل اعتاد أن يبدأ يومه باجتماعات لا تنتهي وصفقات تبرم بالأرقام لا بالمشاعر.
لكن شيئا ما كان مختلفا ذلك اليوم.
توقف عند باب سيارته للحظة أطول من المعتاد وكأن فكرة لم تنضج بعد كانت تدور في ذهنه فكرة لم يكن يعرف كيف يصفها ولا لماذا جاءت فجأة. لم تكن صفقة جديدة ولا مشروعا استثماريا بل شخصا امرأة بالكاد لاحظ وجودها طوال سنوات.
جوليا مينديز.
مدبرة منزله.
امرأة عملت في قصره سنوات طويلة بصمت يليق بمن اعتاد أن يكون في الظل. كانت تصل قبل الجميع وتغادر بعد أن يخلد البيت إلى سكونه. لم ترفع صوتها يوما ولم تشتك ولم تطلب أكثر من أجرها المتواضع. ومع ذلك لم يكن أحد يعرف عنها شيئا.
لم يكن إميليانو قاسيا معها لكنه لم يكن قريبا أيضا. كان من أولئك الرجال الذين يظنون أن الاحتراميكفي وأن السؤال عن الحياة الشخصية ترف لا داعي له. كان يرى جوليا كل صباح بابتسامتها الهادئة ثم يمضي إلى عالمه دون أن يفكر بما تخفيه تلك الابتسامة.
غير أن الأيام الأخيرة غيرت شيئا في داخله.
بدأ الأمر بموقف عابر أو هكذا ظن. كانت جوليا تنظف الحديقة الخلفية حين فقدت توازنها فجأة وسقطت على الأرض. هرع إليها الحارس وحين وصل إميليانو كانت قد أفاقت لكن وجهها كان شاحبا على غير عادته. اعتذرت بسرعة وأصرت على العودة إلى العمل كأن الإغماء خطأ يجب محوه فورا.
لم يعلق إميليانو حينها لكنه لم ينس المشهد.
بعدها بأيام لمحها تتحدث في الهاتف قرب المطبخ بصوت منخفض ونبرة متكسرة. لم تكن تعلم أنه في الشرفة المجاورة. رأى عينيها تشردان ويدها ترتجف وهي تقول كلمات مقتضبة قبل أن تنهي المكالمة وتمسح دمعة سريعة ظنت أنها لم تر.
ثم جاء ذلك اليوم الذي لم يفارقه أبدا.
كان يقف في الطابق العلوي يتأمل الحديقة بصمت حين رأى جوليا في المطبخ تغسل الصحون وحدها. فجأة توقفت وأسندت يديها إلى الحوض وانحنى رأسها. لم يكن بكاء مسموعا بل ذاك النوع من البكاء الصامت الذي يخرج من الأعماق. كانت كتفاها تهتزان بخفة وكأنها تحاول ألا يفضحها جسدها.
في تلك اللحظة شعر إميليانو بشيء لم يعرفه من قبل إحساس بالذنب.
لماذا لم يسأل يوما لماذا لم ينتبه كيف أمكن لامرأة تعمل في بيته كل هذه السنوات أن تكون غريبة إلى هذا الحد
في ذلك الخميس وبينما كان من المفترض أن يحضر اجتماعا مهما مع مستثمرين اتخذ قراره.
ألغى الاجتماع.
طلب تجهيز السيارة.
لم يشأ أن يرسل مالا ولا شيكا ولا مساعدة غير مرئية. هذه المرة أراد أن يرى بعينيه أن يفهم أن يواجه حقيقة الإنسان الذي يعمل لديه.
قال لمساعده إنه سيأخذ إجازة صباحية وغادر دون حراسة دون سائق ودون أن يخبر أحدا بوجهته.
كان الأمر أشبه بخروج عن نظام حياته الصارم.
لم يكن الوصول إلى منزل جوليا أمرا سهلا. فهي لم تكن تتحدث عن حياتها الشخصية ولم تذكر يوما عنوانا واضحا. وبعد بحث في أوراق قديمة وجد إميليانو إشارة غامضة قادته إلى حي إيستابالابا.
وما إن دخل تلك المنطقة حتى شعر وكأنه عبر إلى عالم آخر.
الشوارع ضيقة البيوت متلاصقة الجدران تحمل آثار الزمن والشمس والضجيج مختلف عن صمت الأحياء الراقية. كان كل شيء بسيطا مكشوفا وحقيقيا بطريقة أربكته.
توقف أمام منزل صغير من الطوب تحيط به حديقة مهملة. ترجل من السيارة وشعر لأول مرة منذ سنوات بتوتر حقيقي.
تساءل ماذا لو أخطأ ماذا لو تجاوز حدوده ماذا لو لم ترغب جوليا برؤيته هنا
لكن قدماه حملتاه إلى الباب.
رفع يده وطرق.
وكان قلبه يخفق كأنه على وشك أن يفتح بابا لا يغلق.
طرقاته لم تكن قوية لكنها بدت له عالية بما يكفي ليسمع ارتجاف يده. انتظر ثواني معدودة شعر خلالها بأن الزمن قد تباطأ على غير عادته ثم سمع وقع خطوات خفيفة تقترب من الباب.
انفتح الباب ببطء.
وقفت جوليا مينديز أمامه وقد تجمدت ملامحها للحظة. اتسعت عيناها في دهشة صادقة وتراجع جسدها نصف خطوة كأنها لا تصدق ما تراه.
قالت بصوت خرج مترددا
سيد أرياغا ماذا تفعل هنا
كان صوتها خليطا من المفاجأة والقلق وكأن وجوده في هذا المكان البسيط خرق قانونا غير مكتوب. حاول إميليانو أن يبدو طبيعيا لكن نبرته خانته قليلا.
صباح الخير جوليا. أعلم أن زيارتي مفاجئة لكنني أردت الاطمئنان عليك. أردت أن أعرف كيف حالك.
سادت لحظة صمت قصيرة ثم فتحت الباب على مصراعيه وأشارت له بالدخول.
تفضل البيت بسيط.
خطا إميليانو إلى الداخل وتوقف عند العتبة كأنه يحتاج إذنا جديدا للدخول إلى عالم لم يعرفه من قبل. لم يكن البيت واسعا لكنه كان نظيفا دافئا ومليئا بأشياء صغيرة تحكي حياة كاملة. صور قديمة معلقة على الجدران إطار مكسور في زاوية مزهرية بلاستيكية فيها ورد صناعي ورائحة طعام منزلي تختلط برائحة دواء.
جلسا في غرفة الجلوس

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى