قصص قصيرة

طردتها ابنتها من البيت… وبعدها اكتشفت الحقيقة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب

شعرها الأبيض يلمع تحت الشمس وملامحها هادئة. توقفت كارلا في مكانها كأن هذا الهدوء يرهبها أكثر من أي صراخ.
أمي
رفعت أميليا نظرها بلا عجلة.
مرحبا يا كارلا.
ابتلعت كارلا مشاعرها وقالت ما جاءت لأجله 
سمعت أشياء عن مال عن تبرعات. هل هذا صحيح
أغلقت أميليا الكتاب بهدوء.
نعم. استخدمت ما أملك لمساعدة من عاملوني باحترام.
تجهم وجه كارلا.
كيف كان لديك مال ولم تخبرينا ولم تساعدينا
نظرت أميليا إليها بثبات لم تعهده كارلا.
ساعدتك طوال حياتي يا ابنتي. بوقتي. بحبي. بحضوري. لكنك لم تريدي ذلك. أردت أن أختفي حتى ذكرك المال بوجودي.
هذا ليس عدلا. هذا المال من حق العائلة. لي حق فيه.
مالت أميليا قليلا إلى الأمام وقالت بهدوء صلب 
ما يخص العائلة هو الاحترام. وهذا الحق فقدته يوم قلت لي إنني لا أنفع لشيء.
فتحت كارلا فمها لكنها لم تجد كلمة. عندها قالت أميليا ما كان لا بد أن يقال 
كل ما سيبقى سيكون لصامويل عندما يبلغ الثامنة عشرة. وحتى ذلك الحين فليكبر وهو يتعلم ما نسيته أنت.
كان صامويل قريبا فتقدم وأمسك بيد جدته. لم يتكلم. وكان ذلك كافيا. شعرت كارلا بحرارة الخجل تصعد إلى عنقها. نظرت إلى ابنها ورأت للمرة الأولى مسافة في عينيه. ليست مسافة جسدية بل مسافة قيم.
غادرت كارلا الحديقة متعثرة الخطى. في الخارج كان العالم كما هو لكن في داخلها شيء انكسر حقا. ليس كأسا بل ما هو أعمق.
ومع مرور الوقت عاشت أميليا بسلام لم تكن تتخيل يوما أنها ستتذوقه. سلام لا تصنعه الأموال ولا يشتريه الأثاث الفاخر بل يولد حين يتوقف الإنسان عن إثبات نفسه لمن لا يرى قيمته. صارت صباحاتها تبدأ بهدوء بسيط نافذة تفتح على ضوء لطيف فنجان شاي دافئ وخطوات بطيئة في الحديقة كأنها تعيد التعرف إلى الحياة من جديد. كانت تساعد المسنين واحدا واحدا تمسك يد هذا حين تضعف ساقاه وتقرأ لذاك رسالة من ابنه لأن عينيه لم تعدا تسعفانه وتربت على كتف امرأة أنهكها الحنين وهي تبتسم ابتسامة مرتجفة.
ثم عادت الخياطة تلك الصديقة القديمة التي لم تخذلها يوما. فتحت علبة صغيرة لاحتفاظها بالإبر والخيوط وكأنها تفتح صندوق عمرها كله. كانت تعلم من ترغب من النزيلات كيف يصلحن ثوبا ممزقا وكيف يصنعن من قطعة قماش بسيطة شيئا يليق بهن. ومع الإبرة كانت تمرر طمأنينة غير مرئية تقول لهن إن كل شيء قابل للإصلاح حتى لو بدا ممزقا أكثر مما ينبغي. وفي أمسيات طويلة حين تهدأ الأصوات وتخف الأضواء كانت تحكي قصصا صغيرة عن مدينة قديمة عن أحياء كانت تعرف بعضها عن أمهات كن يضحكن رغم التعب وعن تفاصيل لا تذكر في الأخبار لكنها تصنع حياة كاملة. وكان المستمعون يصمتون كما يصمت المرء أمام شيء يلمسه في القلب.
وكلما سألها أحدهم لماذا تفعلين كل هذا كانت تبتسم ابتسامة ساكنة كأنها تجيب عن سؤال تأخر كثيرا ثم تقول 
لأن الحياة تصبح أخف حين نتعلم تقدير ما يهم حقا وحين نكف عن حمل ما لا يستحق أن نحمله.
ومع الأيام صار وجود أميليا في الدار أشبه بمصباح صغير لا يبهرك لكنه يجعلك ترى. كانت تمر على الغرف وتسأل هل تحتاج شيئا لا كواجب وظيفي بل كإنسان يتذكر جيدا كيف يكون المرء غير مرئي. كانت تعرف أن السؤال البسيط قد يرفع عن الروح نصف ثقلها. وحين كانت تسمع ضحكة في الممر تبتسم في سرها وتقول ها أنا أسمع الحياة مرة أخرى.
وفي عيد ميلاد صامويل أرادت أن تصنع له ذكرى لا تشبه ذكريات الوجع. نظمت احتفالا صغيرا في الحديقة كعكة بسيطة لكنها طازجة بالونات علقتها بيدها على غصن شجرة وأكواب ملونة رتبتها بعناية كأنها ترتب مستقبلا صغيرا. لم يكن هناك إسراف ولا صخب لكن كان هناك دفء حقيقي. جاء صامويل مترددا في البداية ثم ما لبث أن اقترب وركض نحوها كما لو أنه كان يبحث عنها منذ زمن. لا تشبه قوة طفل فقط بل قوة قلب تعلم سريعا الفرق بين من يحبك ومن يعتادك.
همست له 
لا تقس الناس بما يملكون بل بكيفية معاملتهم لمن يحبون فاليد التي تطمئنك في الخوف أثمن من كل ما يلمع.
كان صامويل يحدق في وجهها بعينين تلمعان. لم يعد طفلا بسيطا كما كان كانت هناك طبقة جديدة في نظرته طبقة فهم لا تمنحها الكتب وحدها. أومأ بصمت كأن هذه الكلمات أصبحت عهدا داخله. وبدا نضجه كأنه لم يأت من العمر بل من جراح شاهدها ولم يستطع منعها ومن لحظات فهم فيها أن القسوة قد تأتي من أقرب الناس وأن الرحمة قد تأتي من حيث لا تتوقع.
وفي تلك الأمسية حين تلونت السماء بالبرتقالي وجلست الشمس تميل في الأفق كأنها تودع اليوم ببطء جلست أميليا وحدها على المقعد. شعرت بالهواء يحرك شعرها الأبيض برفق يشبه يدا حنونة. أغمضت عينيها وفكرت بلا ضغينة الحياة تعلم أحيانا تتأخر لكنها تعلم. لم تكن تبكي ولم تكن تضحك كانت فقط تنصت لطمأنينة صغيرة تنمو في داخلها طمأنينة تقول لها إن الكرامة ليست شيئا يعطى بل شيء يستعاد.
فثمة من يستهين بالبسيط حتى يكتشف يوما أن البسيط كان أثمن ما يملك
كلمة احترام سؤال صادق لا يجرح وبيت لا يشعرك أنك ضيف ثقيل. وحين يريدون العودة لا يعود الأمر بابا ولا بيتا ولا مالا بل مسألة كرامة. مسألة كيف ترمم ما كسر في القلب وكيف تعيد الاعتبار لمن أهين وهو صامت. وبعض الكسور لا تصلحها الأعذار المتأخرة لأن العذر لا يمحو أثر لحظة واحدة قيل فيها للإنسان أنت لا تنفع لشيء.
وإن حركت هذه القصة شيئا في داخلك فتوقف لحظة واسأل نفسك هل رأيت يوما شخصا يخسر إنسانا ثمينا بسبب كبريائه وهل مر بك وقت تمنيت فيه لو أنك قلت كلمة واحدة في وقتها سامحني قبل أن يصبح الاعتذار متأخرا وقبل أن تتحول العودة إلى مجرد رغبة لا مكان لها

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى