قصص قصيرة

طُردت من بيتها وهي في الثالثة عشرة… وبعد ساعة واحدة فقط تغيّر مصيرها إلى الأبد

بهدوء
وبلا عجلة
وبلا أحكام مسبقة.
كانت الجلسات طويلة.
أحيانا صامتة.
وأحيانا مليئة بأسئلة لم تسأل لها يوما من قبل.
لم يرفع الصوت.
لم تستخدم كلمات جارحة.
لم يلق عليها اللوم.
للمرة الأولى
شعرت أن أحدا يحاول أن يفهم
لا أن يدين.
وبعد أيام
دخل الطبيب إلى الغرفة.
ملامحه لم تكن قاسېة
ولا مترددة
بل متعبة كما لو أن الحقيقة نفسها أثقل مما يقال بسهولة.
جلس
وتنفس بعمق
ثم قال بصوت هادئ
لم يكن هناك حمل من الأساس.
ما عانت منه هذه الفتاة تضخم حاد نادر
ناتج عن صدمة جسدية شديدة
تفاقمت بسبب إهمال طبي طويل
وتشخيص متسرع لم يبذل فيه الحد الأدنى من العناية.

صمت لحظة ثم أضاف
التشخيص الأول كان خاطئا
لكن الأخطر من الخطأ نفسه
هو الطريقة التي استخدم بها كذريعة لټدمير حياة كاملة.
لم تبك سييرا.
لم تصرخ.
لم تطلب تفسيرا إضافيا.
كانت الدهشة قد مرت بها منذ زمن
في تلك الليلة الأولى التي تعلمت فيها أن الحقيقة لا تنقذ دائما
وأن الظلــ,,ـــــمحين يصدق جماعيا يصبح أقوى من أي دليل.
جلست صامتة
تستوعب أن كل ما عوقبت عليه
لم يكن موجودا أصلا.
لم تشعر بالراحة.
ولا بالڠضب.
بل بشيء أعمق
فراغ بارد يشبه الإدراك المتأخر.
عاشت عاما كاملا في بيت دانيال.
عاما لم يطلب منها فيه أن تبرر نفسها.
لم يفتح فيه ملف الماضي إلا حين أرادت هي ذلك.
تعافت ببطء.
ليس الجسد وحده
بل تلك الزوايا الخفية داخلها التي تعلمت أن تتوقع الأسوأ دائما.

كانت الثقة أصعب من الشفاء.
لكنها جاءت
قطعة قطعة.
أعيدت إلى الدراسة.
لم تدفع إلى الصفوف كما يدفع الخطاؤون إلى الإصلاح.
بل أعيدت كطفلة تستحق أن تبدأ من جديد.
استعين بمعلمين خصوصيين.
ليس لسد فجوة تعليم فقط
بل لسد فجوة ثقة
ولإعادة تعريفها بذاتها بعيدا عن الوصم.
منحت فرصة أن تكون طفلة من جديد.
أن تخطئ دون خوف.
أن تتعلم دون ضغط.
أن تسأل دون أن تسخر منها.
مرت السنوات.
ومع مرورها
بدأت سييرا تكتشف شيئا لم يلاحظه أحد من قبل.

كانت تنجذب إلى الحاسوب
إلى المنطق
إلى الأنظمة التي لا تحكم بالمشاعر ولا بالشائعات.
في البرمجة
وجدت عالما مختلفا.
عالما لا يكترث بما يقال عنك
بل بما تكتبه
وما تبنيه سطرا بعد سطر.
درست.
وبرمجت.
وفشلت.
ثم عادت ونجحت.
بنت طريقها بيدها
ليس عنادا
بل رغبة صامتة في

أن يكون لها مكان لا يستطيع أحد انتزاعه منها بكلمة.
في الحادية والعشرين
وقفت سييرا على منصة التخرج وهي تشد على شهادة تحمل اسمها
اسم كتب يوما في دفاتر الاتهام
وفي همسات الجيران
وفي عيون نظرت إليها باعتبارها نهاية مبكرة لحكاية لم تبدأ أصلا.
تخرجت بامتياز في هندسة البرمجيات.
لم يكن الإنجاز رقما أكاديميا
ولا تقديرا يعلق على جدار

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى