
استغلوني كأنني عبء… لكن تلك الصفقة أنقذت حياتي
الألم تحت ضوء جديد لم أعرفه من قبل.
كلارا وإرنستو ليسا والديك قال دون رامون بصوت مكسور وقد اغرورقت عيناه بالدموع كانا مجرد عاملين في المنزل أشخاصا وثق بهما والداك ثقة عمياء فأودعا بين أيديهما أغلى ما يملكان.
ابتلعت ريقي بصعوبة وكأن الكلمات علقت في حلقي.
كان قلبي يخفق بعنف حتى شعرت بالألم في صدري وكأن كل نبضة تحمل معها ذكرى قديمة تسحب من الظل وتعاد قراءتها من جديد ذكرى لم أفهمها يوما لكنها الآن بدأت تتكشف.
لقد سرقاك تابع وصوته يختنق استغلاك وكرهاك لأنك كنت الدليل الحي على جريمتهم الشاهد الذي لا يمكن إسكاته مهما حاولوا.
حينها فقط اتضح كل شيء.
اتضح الاحتقار الذي رافقني منذ طفولتي وكأنه لم يكن قسوة بلا سبب بل خوفا متجسدا في قلوبهم.
واتضح الضرب الذي لم أفهم يوما سببه فإذا به محاولة لإسكات الحقيقة بالقوة.
واتضح الجوع الذي كنت أظنه فقرا فإذا به خيانة متعمدة.
واتضحت المرات التي قيل لي فيها إنني لا أساوي شيئا وكأن تلك الكلمات لم تكن سوى صدى هلعهم من لحظة انكشاف.
واتضحت تلك النظرات التي كانت ترمقني كأنني عبء أو خطأ أو وجود يجب أن يشكر لمجرد السماح له بالبقاء حيا.
كانوا يتقاضون مالا شهريا من أجلك شرح دون رامون بصوت منخفض مالا خصص لرعايتك وتعليمك وضمان مستقبل كريم لك. لكنهم أنفقوه على أنفسهم وحولوا شعورهم بالذنب إلى قسوة صبوها عليك عاما بعد عام.
شعرت بغضب عميق غضب كان يتراكم في داخلي منذ سنوات دون أن أعرف له اسما غضب ثقيل كالحجارة
لكنني على نحو غير متوقع شعرت بشيء أقوى من الغضب شعرت بالراحة.
راحة الفهم.
راحة أن كل ذلك الألم لم يكن لأنني سيئة أو ضعيفة أو بلا قيمة.
راحة أن الخطأ لم يكن يوما في.
اشتريتك اليوم قال دون رامون وهو ينظر في عيني مباشرة نظرة لم أعرف مثلها من قبل لا لأؤذيك ولا لأستغلك ولا لأكرر ما فعل بك. اشتريتك لأعيد لك ما كان لك دائما اسمك وحياتك وكرامتك.
وهنا انهرت.
بكيت كما لم أبك في حياتي.
لم يكن بكاء خوف ولا بكاء ألم.
كان بكاء تحرر بكاء خروج من سجن طويل بلا أبواب.
بكيت لأنني وللمرة الأولى فهمت الحقيقة كاملة
لم أكن مكسورة.
لم أكن ناقصة.
لم أكن ابنة سيئة.
ولم أكن عبئا على أحد.
كنت مسروقة.
كانت الأيام التالية دوامة حقيقية يعجز العقل عن استيعابها أو الإمساك بخيوطها المتشابكة.
أيام لم يعد فيها الزمن يسير بخط مستقيم بل تداخل فيها الماضي بالحاضر وتكسرت الصور القديمة تحت ثقل الحقيقة كما تتكسر المرايا حين تواجه نورا لم تكن مهيأة له.
كل ذكرى قديمة عادت فجأة لا كما عشتها بل كما كانت حقا بعد أن أزيحت عنها طبقات الخداع.
محامون يتنقلون بين المكاتب بلا كلل يحملون ملفات أغلقت عمدا لسنوات طويلة ملفات كتب عليها الصمت بالقوة ويعيدون فتحها صفحة صفحة وكأنهم ينبشون ذاكرة كاملة أريد لها أن تدفن بلا شاهد.
وثائق تسحب من أدراج مظلمة بعد أعوام من الإخفاء والتزوير والإنكار أوراق صامتة في ظاهرها لكنها كانت تصرخ بالحقيقة حين وضعت أخيرا تحت الضوء.
قضاة يجلسون في قاعات هادئة يستمعون إلى قصة لم ترو من قبل لا لأنها لم تكن موجودة بل لأن أحدا لم يصغ إليها. قصة طفلة سرقت حياتها قبل أن تفهم معنى الحياة وسلب منها اسمها قبل أن تتعلم نطقه.
تواقيع تخط بعناية شديدة لا تغير مستقبلا فحسب بل تعيد ترتيب الماضي نفسه وتعيد تعريف ما كان يسمى ظلما على أنه جريمة مكتملة الأركان وما كان يسمى صمتا على أنه تواطؤ مقصود.
أسماء تكتب وتواريخ تثبت ووقائع تسجل أخيرا كما حدثت لا كما أريد لها أن تنسى.
وإفادات تقال أخيرا بصوت عال بلا ارتجاف بلا خوف فتضع كل شيء في موضعه الصحيح بعد أن عاش سنوات طويلة مقلوبا مختلا ظالما كأن العدالة نفسها كانت تنتظر من يوقظها.
وحين عثرت الشرطة على كلارا وإرنستو وهما يحاولان الفرار كان المشهد أقرب إلى نهاية كذبة طويلة أكثر منه بداية محاسبة. فرا كما يفر الكاذب حين تضيق به الحقيقة وحين تسقط آخر أوراقه وحين لا يعود للإنكار مكان.
لم يبكيا ولم يطلبا الصفح ولم يعترفا بالذنب.
صرخا وشتما ونظرا إلي بكراهية عميقة كراهية لم تكن سوى خوف عار من انكشاف كل ما أخفياه. نظروا إلي وكأنني أنا المسؤولة عن انهيار كذبتهما وكأن الحقيقة جريمة ارتكبتها أنا بحقهما لا خلاصا استعدته لنفسي بعد سنوات من الضياع والتشويه.
وقفت هناك أراهما مقيدين ولم أشعر بالشماتة كما كنت أتخيل يوما أنني سأفعل.
لم أشعر بالانتصار الصاخب الذي ترسمه القصص عادة ذلك الانتصار الذي يصفق له الجميع وينتهي سريعا.
شعرت بشيء مختلف تماما
شعرت بشيء أهدأ وأعمق وأصدق.
شعرت بالسلام.
سلام لم أعرفه من قبل سلام لا يشبه الفرح الصاخب بل يشبه أخيرا أن تضع حملا ثقيلا كنت تحمله على ظهرك طوال عمرك دون أن تدري وأن تسمح لقلبك أن يستريح بعد سنوات طويلة من التأهب والخوف والترقب.
سلام لا يصرخ ولا يحتفل ولا ينتقم بل يهدأ ويستقر في الداخل كالماء بعد عاصفة طويلة أرهقته الأمواج.
نعم استعدت إرثي واستعدت حقي القانوني الذي سلب مني ظلما واستعدت ما كتب باسمي ولم يصل إلي يوما.
استعدت بيوتا وأرقاما وأوراقا وكل ما كان يمكن أن يقاس أو





