
أعلنوا وفاة ابنتي الحامل… وما اكتشفته بعد ساعات قلب المستشفى رأسًا على عقب
توفّيت ابنتي الحامل أثناء الولادة. هكذا قيل لي. لكنني لم أكن أعلم حينها أن تلك الكلمات لم تكن سوى بداية كذبةٍ كادت تسرق آخر ما بقي لي في هذا العالم.
عندما رنّ الهاتف في الثالثة فجرًا، شعرتُ أن شيئًا ثقيلًا يهبط على صدري قبل أن أرفع السماعة. في تلك الساعة، لا تأتي الأخبار الطيّبة. ومع ذلك، لم أكن أتخيّل أن المكالمة ستفتح بابًا إلى كابوسٍ طويل، وإلى حقيقةٍ ستقلب كل ما كنت أؤمن به عن العائلة، والثقة، والحب.
اسمي ألكسندر مور. أبلغ من العمر اثنين وستين عامًا. وربّيتُ ابنتي الوحيدة، لوسي، وحدي بعد وفاة زوجتي قبل عامين. كانت لوسي عالمي كلّه، وامتدادي الوحيد في هذه الحياة.
كان الصوت على الطرف الآخر صوت مارتن، زوجها. تحدّث بهدوءٍ غير طبيعي، هدوءٍ بدا كأنه محفوظ ومُدرَّب عليه. منذ اللحظة الأولى، تسلّل شيءٌ بارد إلى جلدي.
قال:
ألكسندر… الأمر يتعلّق بلوسي.
حدثت مضاعفات أثناء الولادة.
عليك أن تأتي إلى مركز سانت رافاييل الطبي حالًا.
ثم أنهى المكالمة، دون أن يترك لي فرصة لسؤالٍ واحد.
ارتجفت يداي وأنا أبحث عن مفاتيح السيارة. بدت الرحلة التي استغرقت أربعين دقيقة أطول من حياتي كلّها. كانت الشوارع خالية، ممتدّة أمامي كنفقٍ مظلم، وكأن المدينة بأكملها تحبس أنفاسها معي.
حين وصلت، ضربتني رائحة المطهّرات والمرض فور انزلاق الأبواب الأوتوماتيكية. ركضت باتجاه جناح الولادة، والقلب يطرق ضلوعي كأنه يحاول الهرب.
وهناك رأيتهم.
كان مارتن واقفًا، تحيط به عائلته. أمّه مارغريت، امرأة حادّة النظرات رفيعة الشفاه، لم تُخفِ احتقارها لي يومًا. أبوه ريتشارد، رجل ضخم يقف بثباتٍ سلطوي. وشقيقاه، روبرت وأنجيلا، ينظران إليّ بنظراتٍ لم أفهمها حينها تمامًا.
وقفوا كجدار.
حاجزٍ صامت بيني وبين ابنتي.
أين لوسي؟
كيف حال ابنتي؟
اندفعت الكلمات من حلقي ممزّقة.
خفض مارتن رأسه. تقدّمت مارغريت خطوةً، لتقف بيني وبينه، كما لو أنها تحميه من حزني.
قالت بصوتٍ حازم، شبه احتفالي:
ألكسندر، من فضلك اجلس.
عليك أن تكون قويًا.
ثم قالت الجملة التي أوقفت الزمن:
لوسي… لم تنجُ.
فقدت الكثير من الدم أثناءالولادة.
فعل الأطباء كلّ ما بوسعهم.
خارت ساقاي. اتّكأتُ على الجدار كي لا أسقط.
لا… هذا غير ممكن.
أريد أن أراها.
أحتاج أن أرى ابنتي.
تحرّكت نحو الممرّ المؤدّي إلى الغرف، لكن روبرت سدّ طريقي بجسده العريض.
ليس من المستحسن الآن، قال.
الطاقم الطبي يُعدّها.
من الأفضل أن تتذكّرها كما كانت.
«يُعدّها»؟
ما معنى ذلك؟
إنها ابنتي. لي الحقّ أن أراها.
ارتدّ صوتي في الممرّ، والتفتت إلينا ممرّضات عدّة.
أخيرًا تكلّم مارتن من جديد، بصوتٍ بالكاد يُسمَع:
الطفل نجا.
إنه صبيّ.
في العناية المركّزة لحديثي الولادة، لكن الأطباء يقولون إنه سيكون بخير.
كان ينبغي أن أشعر بالارتياح. لكن شيئًا في نبرته، وفي نظرات عائلته، أشعل جرس إنذارٍ في داخلي.
لم تكن تلك عيون أناسٍ فقدوا للتوّ من يحبّون.
كانت عيونًا محسوبة. مضبوطة. متدرّبة.
أريد التفاصيل، قلت.
أريد التحدّث إلى الطبيب.
أريد التقارير.
تنحنح ريتشارد وقال ببرود:
كلّ شيء واضح.
كانت جلطةً رئوية.
مضاعفة نادرة لكنها موثّقة.
هذه الأمور تحدث.
تلك الجملةاحترقت في صدري.
وقفتُ أحدّق فيهم، وشعرتُ بشيءٍ في داخلي يتصلّب.
قلتُ بهدوء: لا. هذه الأمور لا تحدث هكذا.
ثم استدرت ومشيت. دون إذن. دون تردّد.
تبعت الإشارات إلى مكتب الأطباء. إن كانت لوسي قد ماتت حقًا، فسيكون هناك من ينظر في عينيّ ويقولها بوضوح.
حاولت ممرّضة شابّة إيقافي، لكن نظرةً واحدة إلى وجهي جعلتها تتراجع.
خلف المكتب وقف طبيب مُرهق يراجع جهازًا لوحيًا. بطاقة اسمه: الدكتور إيفان كارتر.
قلت: أنا والد لوسي مور.
اتّسعت عيناه لثانيةٍ واحدة قبل أن ينظر نحو الممرّ.
قال متردّدًا: ظننتُ أن العائلة قد أُبلِغت…
قاطعته: أرجوك. قل لي الحقيقة فقط.
صمت، ثم انحنى وخفّض صوته:
ابنتك تعرّضت لمضاعفات… لكنها لم تمت في غرفة الولادة.
شعرتُ بأن الأرض تميل.
ماذا قلت؟
فقدت الوعي. كان النزف شديدًا. توقّف قلبها لفترة قصيرة… لكننا أنعشناها.
طنّ في أذنيّ.
إذًا لماذا—
نُقلت، همس. أُخرجت من هذا المستشفى.
على يد مَن؟
شدّ فكه. لا ينبغي لي قول هذا.
ثم قال بسرعة: أحد أفراد عائلة زوجها وقّعتفويضًا طارئًا. منشأة خاصّة. أطباء خاصّون.
إلى أين؟
لا أعلم. كانت الأوراق مستعجلة… أكثر من اللازم.
في تلك اللحظة عرفت.





