قصص قصيرة

لقيتُ لوحة منوعة” بقصر أغنى رجل… ولما كشفتها اتجمدت وجه أمي المټوفية!

تخسرك. الكبرياء والخۏف يدمران من الأرواح كما تفعل الأكاذيب.
ظلت كلماتها عالقة وأنا أفتح دفتر يوميات أمي القديم.
في مدونة باهتة من عام 1996 وجدت الحقيقة 
اليوم ظننت أنني رأيته يراقبنا من سيارة سوداء. لثانية رغبت أن أركض إليه أن أريه ابنتنا. لكن ماذا لو أخذوها مني ماذا لو ډمرت عائلته سلامنا الأفضل أن نبقى بعيدين وآمنين على أن نكون قريبين وفي حرب.
أغلقت الدفتر ويداي ترتجفان.
كلاهما أمي وأوغستو عاشا خائفين من إيذاء الآخر محبوسين داخل صمت بني من الحب والخۏف.
والآن صرت أنا من عليه أن يكسر ذلك الصمت.
همست 
علي أن أعود.
من أجلها ومن أجلي.
بعد أيام عدت إلى القصر.
لكن ليس لأنتقل للعيش فيه.
ليس بعد.
قلت لأوغستو 
أريد شيئا واحدا.
وقف منتصبا كمن يتوقع حكما.
قال 
أي شيء تطلبينه.
قلت 
ستأتي معي إلى المقپرة. وستقول لها كل ما قلته لي.
لم يتردد.
كانت مقپرة دولوريس المدنية ثقيلة بالقصص والغبار. قبر أمي كان بسيطا حجرا دفعت ثمنه على أقساط طوال عامين.
ركع أوغستو على التراب يحمل باقة من زهور بيضاء ويداه ترتجفان. مسح الغبار عن الحجر بمنديل حريري بحذر بخشوع.
همس 
مرحبا يا كارو أنا.
بعد ثلاثين سنة من التأخير.
تراجعت خطوة لأمنحه مساحة.
قال وصوته يتشقق 
آسف لأنني لم أكن شجاعا. آسف لأنني تركتك تحملين كل شيء. انظري ماذا صنعت يا كارو. انظري إليها. إلينا قوية ذكية كل ما تمنيت أن أكونه.
اهتز كتفاه بالبكاء.
لم تعد القوة تعني شيئا أمام قبر.
وضع يده على الحجر وقال 
أعدك لن أتركها مرة أخرى. ليس الآن. ولا أبدا.
حين نهض أخيرا منهكا الټفت إلي.
قلت 
لنذهب إلى البيت.
كانت تلك أول مرة أناديه فيها أبي.
وقعت الكلمة عليه كبركة.
بعد أسبوع قادني إلى غرفة مقفلة في الطابق الثالث من القصر مكان لم يسمح لأحد بدخوله.
حين فتحت الأبواب انحبس نفسي.
كان متحفا لحياة لم تحدث.
رفوف ممتلئة بهدايا لم تفتح هدية لكل عيد ميلاد لكل عيد لكل سنة عشتها من دونه.
دب صغير في عيد ميلادي الأول.
دراجة وردية في الخامس.
مجموعة كيمياء في العاشر.
غيتار في الخامس عشر.
كل هدية مغلفة وعليها بطاقة باسم السنة كأنها مزار للذنب.
همست 
لماذا احتفظت بكل هذا
قال 
لأنه كان الطريقة الوحيدة التي عرفت بها كيف أكون أباك.
كنت أتخيل وجهك وأنت تفتحينها كل عام ثم أخبئها هنا وأغرق نفسي بما ينسيني أنني لم أملك الشجاعة لأرسلها.
وفي منتصف الغرفة كان صندوق مخملي واحد.
قال 
هذا من أجل اليوم.
فتحته فإذا بداخله قلادة فضية قديمة عليها أثر خدش بسيط.
قال وهو يبتلع ريقه 
كانت لوالدتي جدتك.
كانت تعرف بأمر كارولينا. وكانت تريد لقاءك.
داخل القلادة صورتان صغيرتان أمي وأوغستو شابان يضحكان.
أطبقت القلادة في قبضة يدي.
قلت بهدوء 
لا أريد الهدايا.
هي جميلة لكنها تخص الماضي. أريد قهوة غدا صباحا. أريدك أن تعلمني العزف على البيانو. أريد حكايات عنها.
تلألأت عيناه.
همس 
لدينا كل الوقت في العالم.
تسرب الخبر سريعا.
أغنى رجل في المكسيك يعثر على ابنته المفقودة.
تخيم المصورون أمام القصر.
همست السيدات في الصالونات.
سخر بعضهم حين أمسكت الشوكة الخاطئة.
لكنني كنت أملك صلابة أمي ورفضت أن أنكمش.
بعد شهر أقام أوغستو حفلة لا للنخبة بل لشيء مختلف تماما 
افتتاح مؤسسة كارولينا فيغا المخصصة لتقديم منح كاملة لطلاب محدودي الدخل.
نزلت الدرج الكبير في فستان أحمر شعري مضفور وقلادة أمي على عنقي.
حين قدمني أوغستو على المنصة لم يقدمني كاستعراض أو كجائزة بل كابنة.
وحين أعلنا أننا سنبيع مجموعته الفنية الخاصة ومنها لوحة أميفي مزاد لتمويل المؤسسة كان التصفيق حقيقيا.
ليس تصفيق مجاملة.
بل تصفيقا صادقا.
في وقت لاحق من تلك الليلة وأنا حافية على
العشب في الحديقة رفعت وجهي نحو السماء.
همست 
انظري إلينا يا أمي لم نعد غير مرئيين.
وللحظة ربما كان خيالا وربما كانت نسمة شعرت بضحكة خفيفة في الظلام.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى