
ظنّوها خادمة المطبخ… وفي ليلة واحدة ركع الجميع أمام الحقيقة: أميرة لم تنكسر
ضحكت صديقات دونيا مارغريتا وهن يراقبن إلينا منحنية فوق حوض المطبخ أكمامها مبللة وأظافرها مسودة من دهن الأطباق.
قالت إحداهن باستهزاء
حقا يا مارغريتا لم أكن أتصور أن زوجة ابنك ستكون على هذه الحال.
أجابت مارغريتا بابتسامة مليئة بالاحتقار
ضاعت السلالة لكن ماذا نتوقع من امرأة جاءت من لا شيء.
بقيت إلينا صامتة.
لم تجب.
لم تبك بصوت مرتفع.
مسحت دموعها بظهر يدها ثم واصلت غسل الصحون.
ومع كل طبق تمسكه كانت ذكرى تعود إليها
كيف رباها والدها على الكرامة
وكيف علمها أن ليس كل معركة يجب الرد عليها فورا.
الأميرة إلينا همس صوت والدها في ذاكرتها
سيأتي يوم يكون فيه صمتك هو الذي يتحدث عنك.
في الخارج كان الاحتفال يزداد صخبا.
وفجأة انتشر خبر في القاعة
لقد وصل الضيف الخاص!.
عمت الفوضى بين الحضور.
نهضت دونيا مارغريتا وعدلت شعرها وأسرعت إلى الخروج من المطبخ.
قالت لإلينا ببرود
أكملي ما تفعلينه ولا تخرجي. لست من المدعوين هذه الليلة.
ثم أغلقت الباب.
لم تكن مارغريتا تعلم أن
تلك الليلة ستكون الأخيرة لسطوتها.
أمام القصر توقفت سيارة رولز رويس سوداء طويلة تحمل شعارا ملكيا.
ساد الصمت في المكان.
ترجل منها رجل مسن مستقيم القامة أنيق المظهر له حضور لا يضاهيه أي ملياردير هناك.
همس الناس بدهشة
إنه هو
لا يعقل
رئيس مجلس إدارة فالمنتي الملكية.
دون أليخاندرو فالمنتي.
الاسمالذي ترتعد له أوساط المال والأعمال.
عائلة قادرة على إسقاط أي إمبراطورية أو إنقاذها.
شحب وجه دونيا مارغريتا.
تمتمت لنفسها
لماذا هو هنا لم أدعه.
تقدم دون أليخاندرو إلى وسط قاعة الاحتفال.
لم يبتسم.
كانت عيناه تبحثان عن شيء ما.
اقترب منه المضيف قائلا
يشرفنا حضوركم دون أليخاندرو.
رفع الرجل العجوز يده مقاطعا
أين إلينا.
تبادل الجميع النظرات.
كرر سؤاله بصوت أشد حدة
أين حفيدة أخي دون رافائيل فالمنتي.
شعرت دونيا مارغريتا كأن صاعقة ضربتها.
قالت بصوت مرتجف
ح حفيدة.
ساد الاضطراب بين الضيوف.
ماذا يقصد
فالمنتي
أليست مجرد زوجة لانس.
لم ينتظر دون أليخاندرو أكثر.
توجه بنفسه نحو المطبخ.
فتح الباب.
وكانت هناك
إلينا.
ترتدي مئزرا.
عينان محمرتان.
يدان مبتلتان بالصابون.
توقف الزمن.
سقط كأس من يد أحد الضيوف.
صمت مطبق.
اقترب دون أليخاندرو ببطء.
وأمام الجميع
أمام الأثرياء
أمام من أساؤوا إليها
انحنى.
انحناءة عميقة مهيبة.
وقال
سامحينا يا أميرة إلينا. لقد تركناك تتألمين.
كأن القصر كله انهار.
ارتجفت ركبتي دونيا مارغريتا.
أ أميرة تمتمت.
وقف دون أليخاندرو وواجه الحضور
إلينا تنحدر من سلالة فالمنتي
عائلة أقدم وأغنى من أي عائلة حاضرة هنا.
ثم نظر إلى مارغريتا وقال
اختارت إخفاء هويتها لأنها أرادت أن تحب كإنسانة لا كاسم.
اقتربت إلينا بخطوات مترددة كأن الأرض تحت قدميها لم تعد مألوفة وصوتها يرتجف ارتجاف قلب حمل أكثر مما ينبغي لإنسانة واحدة
جدي.
كانت الكلمة بسيطة قصيرة لكنها خرجت محملة بسنوات من الكتمان وبحياة كاملة من الصمت والانكسار المؤجل.
مد دون أليخاندرو يده ببطء وكأنه يخشى أن تختفي إن لمسها ثم أمسك يدها بين كفيه بكل ما فيهما من حنان وندم.
قال بصوت خافت لكنه نافذ
لم يكن عليك أن تتحملي كل هذا. لم يكن صمتك واجبا ولا صبرك فرضا. لست خادمة ولا جارية ولا ظلا لأحد.
ثم رفع رأسه واستقام صوته وثبتت نبرته كقرار لا رجعة فيه
أنت أميرة آل فالمنتي.
في تلك اللحظة لم تعد القاعة كما كانت.
لم تعد الجدران فخمة ولا الثريات متلألئة ولا الموسيقى ذات معنى.
كل شيء بدا صغيرا أمام الحقيقة التي سقطت كضوء كاشف على الوجوه.
انهارت دونيا مارغريتا.
لم تنهر كما ينهار المتكبر حين يهزم فقط بل كما ينهار إنسان أدرك فجأة أنه بنى سلطته على وهم وأن قسوته لم تكن قوة بل جهلا متنكرا في ثوب الهيبة.
ارتخت ساقاها وسقطت على ركبتيها أمام إلينا والدموع تشق طريقها على وجه اعتاد التصلب.
قالت بصوت مكسور متقطع
لم أكن أعلم أقسم أنني لم أكن أعلم سامحيني.
كانت كلماتها صادقة في ضعفها لكنها جاءت متأخرة.
فبعض الجراح لا تشفى بالاعتذار بل بالاعتراف بأن الأذى وقع فعلا.
ظلت إلينا صامتة.
لم تبتسم إلينا ولم يلمع في عينيها ذاك البريق السهل الذي يولد من الشماتة ولم ترفع صوتها لتثبت شيئا لأحد.
كانت ثابتة على نحو يربك أكثر مما يفعل الغضب هادئة على نحو يكشف عمق ما بداخلها دون حاجة إلى كلمات.
لم يكن في عينيها غضب متأجج ولا رغبة دفينة في الانتقام ولا نشوة انتصار متأخرة.
كان هناك شيء أثقل بكثير
إرهاق عميق صامت إرهاق امرأة اضطرت طويلا أن تكون أقوى مما ينبغي وأن تمسك نفسها بزمام الصبر حتى حين كان الألم يطالبها بالانفجار.
إرهاق من تعلمت أن تبتلع الكلمات وأن تسكت وجعها وأن تقنع نفسها بأن الهدوء فضيلة حتى عندما يتحول إلى عبء.
بدت وكأنها تنظر إلى حياتها الماضية دفعة واحدة كأن السنوات انطوت أمامها في لحظة واحدة خاطفة
رأت الليالي التي أغلقت فيها باب غرفتها بهدوء وتمددت على السرير وهي تتساءل في صمت
هل أستحق فعلا كل هذا الجفاء
هل الخطأ في
هل الكرامة تقايض بالصبر إلى هذا الحد
رأت الأيام التي ابتلعت فيها الإهانة كلمة كلمة لا لأنها لم تكن قادرة على الرد بل لأنها كانت تخشى أن يتحول الرد إلى حرب تكسر فيها أشياء لا يمكن إصلاحها.
رأت صمتها الطويل ذاك الصمت الذي لم يكن ضعفا يوما بل خيارا واعيا لحماية ما تبقى من ذاتها وللحفاظ على فتات كرامة لم تكن مستعدة للتفريط به مهما كان الثمن.
وحين تكلمت أخيرا خرج صوتها هادئا على نحو موجع هدوء يفوق في أثره أي صراخ وأقسى من أي اتهام مباشر.
قالت
لم أكرهك يوما
لكنك لم تحبيني أبدا.
لم تكن كلماتها سهما مسموما ولا محاولة لإدانة ولا طلبا لشفقة.
كانت حقيقة عارية صافية لا تحتاج إلى تبرير





