
سمعت الحقيقه قبل الزفاف بساعه
الصفحة السابقانت في الصفحة 1 من 2
علمت لاحقا أنه عاد للعيش مع أمه وما زال يروي قصة مختلفة يضع نفسه فيها ضحية امرأة قاسية لم تفهمه. بعض الناس لا يتغيرون بل يبدلون الرواية فقط
ليبقوا أبطالها.
أما ليندا فلم تكسب من تمثيلها سوى العزلة. لم تعد الدعوات تصلها ولم تعد الابتسامات تمنح لها تلقائيا كما في السابق. الناس قد ينسون التفاصيل لكنهم نادرا ما ينسون الشعور الذي يتركه شخص ما في لحظة انكشافه. الصدمة الحقيقية ليست أن تكشف الحقيقة بل أن يراها الجميع دفعة واحدة بلا أقنعة.
لم ألغ شهر العسل.
ذهبت وحدي لا تحديا لأحد بل وفاء لنفسي.
في إيطاليا كنت أمشي في شوارع هادئة كأن الزمن قرر أن يخفف خطاه احتراما للمكان. بلا برنامج صارم بلا مواعيد وبلا تلك الأسئلة الثقيلة التي اعتدت سماعها طوال حياتي إلى أين وصلنا وما الخطوة التالية. لم يكن هناك أحد ينتظر مني قرارا ولا مستقبلا يطالبني بتبرير نفسي له.
جلست في مقاه صغيرة تختبئ في زوايا الأزقة أماكن لا تحمل أسماء كبيرة ولا لافتات براقة. لا يعرفني فيها أحد ولا يهمه من أكون أو ماذا أملك. كنت مجرد امرأة تجلس وحدها تحتسي قهوتها ببطء وتراقب الحياة وهي تمر دون أن تطلب منها المشاركة.
استمعت إلى لغات لا أفهمها لكن نبراتها كانت مفهومة أكثر من أي كلمات سمعتها سابقا. ضحكات لا تعنيني وحوارات لا تخصني ومع ذلك شعرت للمرة الأولى أنني في المكان الصحيح. هناك
تعلمت شيئا بسيطا وعميقا في آن واحد
الهدوء ليس فراغا بل مساحة آمنة.
مساحة تعود فيها إلى نفسك دون ضجيج دون دفاع دون أقنعة.
في تلك الشوارع الحجرية وبين خطواتي البطيئة شعرت بما لم أشعر به منذ سنوات السلام.
سلام لا يطالبني بشيء ولا يقيمني ولا يضعني في مقارنة مع أحد. سلام بلا شروط بلا توقعات بلا خوف من أن أكون أكثر مما ينبغي أو أقل مما ينتظر.
هناك فقط أدركت حجم الثقل الذي كنت أحمله دون أن أنتبه. ثقل أن تكوني دائما مناسبة مقبولة سهلة. وثقل أن ينظر إليك كفرصة أو مكسب أو مشروع مستقبلي.
لم أكن استثمارا لأحد ولا جائزة تسلم عند النجاح ولا زوجة مستقبلية ينتظر منها أداء دور محدد بإتقان.
كنت ببساطة نفسي.
وهذا للمرة الأولى كان كافيا تماما.
وحين عدت إلى الوطن لم أعد الشخص نفسه. لم يكن التغيير صاخبا ولم أعلن عنه. كان هادئا عميقا يشبه تغيير اتجاه نهر من الداخل. انغمست في العمل لا هروبا من الذكريات بل شغفا حقيقيا. شغف امرأة تعمل لأنها تريد لا لأنها تثبت شيئا.
اقتربت من الصداقات التي لا تطلب منك التنازل كي تبقى ولا تشترط صمتك لتمنحك القبول. صداقات لا تخاف من قوتك ولا تنزعج من وضوحك. ومع الوقت بدأت أعيد بناء الثقة
بحكمي على الأمور خطوة خطوة دون استعجال ودون جلد للذات.
لم أصبح قاسية ولم أتحول إلى امرأة ناقمة على الحب أو الحياة. بل صرت أوضح أصدق وأقرب إلى نفسي مما كنت يوما. صرت أسمع صوتي الداخلي بوضوح وأصدقه.
وبعد أشهر حين سألني أحدهم إن كنت لا أزال غاضبة فكرت قليلا. أدركت أن الغضب يحتاج إلى طاقة وأنا لم أعد أرغب في إنفاق طاقتي على ما انتهى. بعض الأشياء لا تحتاج إلى مواجهة جديدة بل إلى ترك هادئ.
لم أكن مريرة.
ولم أكن خالية من الندوب.
لكنني كنت حرة.
أحيانا يسألني الناس إن كنت أندم على أنني لم أقل أوافق.
أبتسم لا بسخرية بل براحة عميقة تشبه الاطمئنان وأجيب
قلت ما هو أفضل. قلت لا.
لأن الحب الذي يتطلب الصمت ليس حبا بل مساومة مؤجلة.
ولأن الزواج المبني على الأكاذيب ينهار في النهايةإما علنا عند المذبح أو سرا بعد سنوات من شقاء صامت لا يراه أحد لكنه يلتهم الروح ببطء.
وإن جعلتك هذه القصة تفكر فتوقف لحظة. لا أمام الآخرين ولا بحثا عن إجابة جميلة بل أمام نفسك فقط بصدق كامل
هل كنت ستغادر حين اكتشفت الحقيقة
أم كنت ستقول أوافق وتؤجل خسارتك على أمل هش
شارك رأيك إن أردت.
فربما يكون جوابك هو الشجاعة التي يحتاجها شخص ما الآن
في مكان ما ليختار نفسه
قبل فوات الأوان. الأوان.




