
بعد أمّهنّ، ربّيتُ بناتِ أخي الثلاث كأنهنّ بناتي لخمسة عشر عامًا
بعد وفــ,,ـاة أمّهنّ، ربّيتُ بناتِ أخي الثلاث كأنهنّ بناتي لخمسة عشر عامًا…
الظرف المختوم الذي دــ,,ـمّر عائلتي اختفى أخي إدريس خمسة عشر عامًا، لكن الحقيقة التي أخفاها كانت كفيلة بهدــ,,ـم كل شيء.
لم أصبح أمًّا لأنني خططت لذلك
ولم يكن قرارًا وُلد في لحظة هادئة أو على طاولة عشاء دافئة.
كل شيء قد بدأ بعد الجنازة.
كنت أقف تحت سماء رمادية باهتة في المقبرة، أراقب التراب وهو يُهال فوق قبر زوجة أخي، بينما كانت رائحة الزهور لا تزال طازجة، وكأن الموت لم يُدرك بعد أنه استقر هناك.
وبجانبي كان يقف إدريس أو ما تبقّى منه.
لم يكن الرجل الذي عرفته
بل ظلًّا باهتًا، شبحًا يحمل ملامحه دون روحه.
ثم
وقبل أن تذبل زهور الجــ,,ـنازة
اختفى.
لم يودّع أحدًا.
لم يتصل.
لم يترك حتى ورقة صغيرة على طاولة المطبخ.
فقط غاب.
غاب وكأن وجوده كله كان وهمًا، وترك خلفه فراغًا مدوّيًا، فراغًا لم يكن صامتًا كما يبدو بل كان يصرخ في كل زاوية من حياتنا، ويعيد تشكيل مصير أربعة أشخاص إلى الأبد.
لم يكن لدي وقت لأفهم لأن كل شيء حدث بسرعة قاسية.
بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، طرق بابي صوتٌ غريب
وحين فتحته، وجدت عاملة اجتماعية تقف أمامي، وخلفها ثلاث فتيات صغيرات، متشبثات ببعضهنّ، وكأنهنّ يخشين أن يسقط العالم إن تفرّقن.
لم يكن معهنّ سوى حقيبة واحدة.
حقيبة مهترئة، ممتلئة بشكل مبالغ فيه، كأنها تحاول احتواء كل ما تبقّى من حياتهنّ.
بدت صغيرة بشكلٍ مؤلم مقارنةً بما تحمله.
حياة كاملة محشورة داخل قماشٍ بالٍ.
كانت أعمارهنّ ثمانية أعوام، خمسة أعوام،
وثلاثة أعوام فقط.
جنى ليلى وديما.
وقفن على عتبة بابي، بعيونٍ زائغة، فارغة من الفهم، كأن عقولهنّ لم تستوعب بعد ما الذي حدث
أو لماذا لم يعد هناك بيت ينتظرهنّ.
لم يكنّ مجرد يتيمات فقدن أمّهنّ
بل أصبحن فجأة لاجئات من حياةٍ لم تعد موجودة، وضحايا لغياب أبٍ لم يملك الشجاعة ليبقى.
كان العام الأول معركة حقيقية للبقاء.
لم يكن الأمر مجرد رعاية أطفال
بل محاولة يومية لإنقاذ أرواح صغيرة من الغرق في الحزن.
المنزل الذي كان يومًا ملاذي الهادئ
تحوّل إلى ساحة حرب، مليئة بالصمت الثقيل، والذكريات، والانكــ,,ـسارات الصغيرة التي لا تُرى لكنها تُحسّ في كل شيء.
ديما، الصغيرة، كانت تمسك بطرف ملابسي كل مساء، وتنظر إليّ بعينين مليئتين بالرجاء، وتسأل بنفس البراءة القاتلة
متى ستعود أمي؟
سؤال بسيط
لكن لا توجد إجابة في هذا العالم يمكن أن تكون كافية.
أما ليلى، فقد عاشت شهورًا طويلة من داخل تلك الحقيبة، ترفض أن تضع ملابسها في الخزانة، وكأنها تخشى أن يعني ذلك أن هذا المكان أصبح دائمًا وأن الأمل في العودة قد انتهى.
كانت تتصرّف وكأن الاستقرار خيانة وكأن التعلّق بي خيانة لذكريات أمّها.
وجنى، الكبرى
لم تبكِ.
أو بالأحرى توقّفت عن البكاء سريعًا.
لكن ذلك لم يكن قوة
بل كان انهــ,,ـيارًا صامتًا.
اختارت الصمت، صمتًا باردًا وقاسيًا، وكأنها أدركت مبكرًا جدًا حقيقة لا يجب لطفلة أن تفهمها
أن الدموع لا تغيّر شيئًا في عالمٍ بهذه القــ,,ـسوة.
كنت أراهنّ كل يوم
وأشعر
أنني أقف أمام حطام حياة، أحاول أن أعيد بناءه بيديّ، دون أن أملك الأدوات الكافية.





