قصص قصيرة

خادمة بسيطة تنقذ أمّ مليونير من ألمٍ غامض… والحقيقة التي اكتشفها بعدها قلبت حياته رأسًا على عقب!

صوت صفعة لا توجع الجلد بل تهز القناعات. لم تكن تحذيرا عابرا بل مفتاحا فتح بابا ظل مغلقا طويلا.
لأنه ولأول مرة سمح لنفسه أن يفكر دون دفاع دون تبرير دون كبرياء.
أدرك أن ما حدث لم يكن محض صدفة وأن الألم الذي سكن جسد والدته لم يولد من فراغ وأن الخطر لا يقاس بقرب الأقدام بل بقرب القلوب. وأن أكثر ما يوجع ليس الطعنة بل اليد التي اعتقدنا أنها لن تطعن.
في تلك الليلة لم يعرف النوم طريقا إليه. جلس في مكتبه الكبير تحيط به الجدران المكسوة بالخشب الداكن وتحت أضواء خافتة لم تعد تبعث الطمأنينة كما كانت تفعل من قبل. كان الصمت كثيفا لكن رأسه يعج بالأسئلة.

أعاد شريط السنوات الماضية ببطء مؤلم. اجتماعات لا تنتهي. توقيعات سريعة. وجوه مبتسمة. ثقة تمنح بسهولة لمن يرتدون الأقنعة الصحيحة. كم مرة قال لا تقلقوا أنا أسيطر على كل شيء وكم مرة ظن أن المال يعوض الغياب وأن النفوذ يكفي ليحمي من يحب
سأل نفسه ولأول مرة بلا مواربة
من كان قريبا أكثر مما ينبغي
من كان يدخل ويخرج بلا سؤال بلا تردد بلا رقابة
ومن كان يراقب ضعف والدته لا بعين الشفقة بل بعين الحساب

مع بزوغ الفجر تسلل الضوء إلى أروقة القصر ببطء كأنه يتحسس طريقه بحذر لا يريد أن يوقظ ما هدأ أخيرا. كانت السيدة مارغريتا نائمة بسلام لم تعرفه منذ أسابيع تنفسها منتظم وملامحها هادئة على نحو كاد يربك أليخاندرو. لم تكن تلك ملامح جسد استراح فقط بل ملامح روح أعيدت إليها الحياة. كأن الألم لم يمر من هنا أو كأنه مر واعتذر قبل أن يرحل.
وقف طويلا عند باب غرفتها يراقب صدرها يرتفع وينخفض حركة بسيطة لكنها كانت بالنسبة له معجزة كاملة. كم من الليالي وقف في الموضع ذاته عاجزا يراقبها تتألم يملك كل شيء إلا القدرة على حمايتها.
همس بصوت خافت كأنه يقسم لنفسه قبل أن يقسم لها
لن أسمح لأحد أن يقترب منك بسوء مهما كان الثمن ومهما كان الاسم.
لم يكن وعدا انفعاليا بل قرارا نضج في صمت طويل.
ومنذ تلك اللحظة تغير كل شيء.

لم يتغير العالم من حوله ولم تتبدل الجدران ولا الألقاب ولا النفوذ لكن نظرته إليه تغيرت من الجذور. لم يعد يرى الناس من عل ولم يعد يخلط بين القوة والهيمنة ولا بين الصرامة والحكمة. تعلم وربما لأول مرة أن السلطة لا تحمي دائما وأن النفوذ قد يعمي صاحبه قبل أن يحميه وأن بعض الأخطار لا تأتي من الخارج بل من الدوائر الأقرب.
صار يصغي أكثر مما يتكلم ويراقب أكثر مما يحكم ويمنح وقته لمن لا يملكون وسيلة لفرض أصواتهم. لم يعد يقطع الحديث لمجرد أنه يملك القرار ولم يعد يستخف بالتفاصيل الصغيرة. أدرك أن الحكمة لا ترتبط بالمناصب وأن بعض الحقائق لا تقال في الاجتماعات الرسمية ولا تكتب في التقارير بل تلمح في العيون وفي التردد وفي الصمت الذي يسبق الكلام.
أما زوي فعادت في الصباح التالي إلى عملها كأن شيئا لم يحدث. تكنس الممرات بهدوء ترتب الغرف بعناية وتمشي بخطوات بسيطة لا تلفت الانتباه. لم تطلب تفسيرا ولم تنتظر شكرا ولم تغير من نفسها شيئا. لكنها لم تعد غير مرئية.
كان وجودها يترك أثرا لا يرى لكن يحس. كأن المكان نفسه صار أهدأ حين تمر وكأن القصر بكل فخامته تعلم منها معنى البساطة. صارت كلماتها القليلة تنصت لها القلوب قبل الآذان وصار صمتها أبلغ من كثير من الخطب وأكثر صدقا من وعود طويلة.
وكان أليخاندرو كلما لمحها من بعيد تذكر كيف كان يعبر الممرات ذاتها دون أن يراها وكيف كان العالم يمتلئ بأشخاص لم ينتبه إليهم لأنه كان ينظر دائما إلى الأعلى لا حوله. فهم أخيرا أن الحكمة قد تسكن أبسط القلوب وأن الحقيقة لا تحتاج إلى صخب لتكون حقيقية ولا إلى أضواء لتثبت وجودها.

وهكذا استقر في داخله درس لم تعلمه له الجامعات ولا الصفقات ولا سنوات النجاح المتراكمة
أن أخطر ما في الحياة ليس الجهل
بل الغرور الذي يجعلنا نظن أننا نعرف كل شيء
فنغلق أعيننا عن أبسط الإشارات
وأصدق التحذيرات
وأقرب القلوب.
وأن المعجزات
لا تزور دائما من يبحث عنها بعجلة
ولا من يملك الأدوات الأغلى
ولا من يرفع صوته أكثر
بل من يملك قلبا متواضعا
وعينين قادرتين على رؤية ما وراء المظاهر

وأذنا لا تخجل من الإصغاء.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد أليخاندرو يبحث عن الأمان في المال
بل في القرب الصادق
ولا عن الشفاء في الأجهزة
بل في الحضور الحقيقي
ولا عن الحقيقة في الضجيج
بل في الصمت الذي لا يكذب
ذلك الصمت الذي حين ينصت إليه بصدق
لا يهمس فقط بالحقيقة
بل يغير الحياة بأكملها.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى