
اختفت 3 سنوات في مستنقعات فلوريدا… وعادت حية وهي تحمل سرًا مرعبًا
كيلومترات من أرض معادية وأن تقطع قنوات عميقة وأن تتجنب مناطق ذات حياة برية خطرة. حتى للفرق المدربة كان الوصول بالغ الصعوبة.
أما لامرأة وحدها بلا تجهيزات فكان الأمر يبدو مستحيلا.
بدأ وزن فرضية أن أحدا نقلها إلى هناك يزداد. ومع ذلك لم يعثر على آثار مخيما*ت ولا أدوات ولا بقايا طعام ولا آثار حديثة لوجود أشخاص آخرين. لم توجد دلائل على حضور بشري طويل سوى باتريشيا.
كان الأمر كما لو أنها كانت وحيدة طوال الوقت.
حاولت الشرطة استجوابها مرارا. انضم علماء نفس متخصصون إلى الفريق. كانوا يتحدثون إليها بلطف ويعرضون أشياء مألوفة وصورا من حياتها السابقة. لم تستجب لفظيا. لم تتفاعل إلا حين يحاول أحد لمس الدمية.
عندها كان يحدث شيء غريب.
كانت شفتاها تتحركان وتص*در أصواتا منخفضة متكررة. ليست كلما*ت. بل تمتمة إيقاعية تشبه تهويدة.
حلل لغويون تسجيلات هذه الأصوات. لم تطابق أي لغة معروفة. ولم تبد عشوائية. كانت ذات بنية تكرارية كما لو أنها تتبع نمطا متعلما.
وصفت إحدى الأخصائيات سلوكها بأنه تراجع شديد مقرون ب تفكك طويل.
وبعبارة أبسط لم تكن باتريشيا حاضرة بالكامل.
كانت روحها كأنها معلقة في مكان آخر.
ومع مرور الأسابيع ظهرت تفاصيل أكثر إزعاجا. كانت باتريشيا ترتعب من صوت الماء المتحرك الدش الصنابير المطر الغزير. كان نبضها يقفز وتدخل في هلع صامت.
كانت تنام أفضل في غرف مظل*مة تماما.
وعندما يذكر أحدهم الطريق أو السيارة أو الرحلة كان جسدها يتوتر على الفور كما لو أنه يتوقع خطرا غير مرئي.
لم تفارقها الدمية قط.
بالنسبة للمحققين لم يعد هذا الشيء مجرد فضول مقلق بل صار مفتاحا محتملا. لم تكن الدمية آلية بقاء نفسي فحسب. ربما كانت خريطة عاطفية. صلة بشيء حدث في المستنقع.
لكن بلا كلما*ت وبلا ذكريات يمكن الوصول إليها اصطدمت القضية بجدار.
لقد عادت باتريشيا.
لكن الجزء منها الذي غادر عبر الطريق 41 بدا وكأنه عالق عند نقطة غير مرئية في الإيفرغلادز مع ثلاث سنوات ضائعة من حياتها.
وكانت الدمية المصنوعة من شعرها تبدو كأنها الشيء الوحيد الذي يصل بين العالمين.
في مطلع 2016 قبل المحققون حقيقة غير مريحة. إن أرادوا فهم ما حدث لباتريشيا لورانس خلال سنوات اختفائها الثلاث فعليهم أن يتخلوا عن الأساليب التقليدية. لن توجد اعترافات واضحة ولا خطوط زمنية كاملة ولا إعادة بناء دقيقة. كان المص*در المباشر الوحيد امرأة عالقة في صمت عميق تحميها عقلية قررت ألا تتذكر بالطريقة المعتادة.
انتقل النهج من الاستجواب إلى الملاحظة.
لأسابيع اكتفى الفريق الطبي والنفسي بتسجيل الأنماط أوقات النوم وردود الفعل للمؤثرات والحركات المتكررة وقبل كل شيء تفاعل باتريشيا المستمر مع الدمية. لم تكن الدمية شيئا خاملا. كانت باتريشيا ترتبها وتنظفها بعناية وتحميها إذا اقترب أحد كثيرا. أحيانا كانت تهزها دقائق طويلة وهي تهمس بذلك اللحن بلا كلما*ت.
واتفق المختصون على أمر واحد الدمية لا تمثل شخصا خارجها. ليست طفلا متخيلا ولا بديلا مباشرا. كانت امتدادا لذاتها.
طرحت معالجة نفسية فرضية مقلقة في العزلة القصوى قد يتشظى العقل كي ينجو فيخلق آخر يشاركه التجربة شاهدا داخليا يجعل الوحدة محتملة. وقد تكون الدمية تجسيدا ماديا لهذا الآلية.
ذات تقاوم حين تنكسر بقية الذات.
لاستكشاف ذلك صممت جلسات علاجية غير اجتياحية. بدل مطالبتها بالكلام قدمت لها مواد ورق أقلام أشياء صغيرة. لم ترسم باتريشيا أشخاصا ولا ذكريات واضحة. رسمت خطوطا كثيفة متداخلة تصنع مناطق داكنة تحيط بها مساحات بيضاء. لاحظ الأطباء أنها تبدأ دائما من الحواف وتتجنب المركز.
وعندما طلب منها أن تشير إلى أماكن على خرائط مبسطة للإيفرغلادز كان إصبعها يتوقف عند مناطق بلا أسماء مساحات مغمورة بلا مسارات. لم تلمس الطريق أبدا.
كأن عقلها محا النقطة التي بدأ منها كل شيء.
وفي الوقت ذاته استمرت التحقيقات الخارجية. عاد خبراء الأدلة إلى السيارة الرمادية. وبعد سنوات من التخزين أعيد فحصها بتقنيات أكثر تقدما. عثر على آثار مجهرية من طين نباتي على الدواسات وأسفل الهيكل تتوافق مع مناطق مستنقعية لكن لم توجد آثار سحب واضحة ولا علاما*ت عراك.
غير أن تفصيلا واحدا لفت الانتباه.
في صندوق السيارة الخلفي مخفيا تحت السجادة وجدت كتلة صغيرة من ألياف نباتية جافة وبقايا عضوية. لم تكن كافية لتحديد مشهد لكنها أشارت إلى أن شيئا ما وضع هناك مؤقتا. شيء حي أو مستخرج للتو من البيئة.
لم يوجد حمض نووي لأشخاص آخرين.
وأعاد ذلك تغذية فرضية مقلقة ربما التقطت باتريشيا شيئا من المستنقع. شيئا لم يكن ينبغي أن يغادره.
وقدم حراس الغابات معلومة إضافية في الإيفرغلادز مناطق لا تفتح للعامة لأسباب بيئية وثقافية. مناطق ارتبطت بمعتقدات قديمة للسكان الأصليين وعلمت عبر أجيال كمواطن ينبغي تجنبها لا لخطر جسدي بل احتراما.
وبعض تلك المناطق كان يتقاطع مع المكان الذي وجدت فيه باتريشيا.
لم يكن ذلك دليلا لكنه أضاف طبقة رمزية يصعب تجاهلها.
وعندما بدأت باتريشيا تظهر تحسنا طفيفا استخدمت تقنية مختلفة وضعت ميكروفونات بيئية ليلا لا لتسجيلها بل لتسجيل الأصوات التي يبدو أنها تطمئنها. تبين أنها تنام أفضل عند تشغيل أصوات الحشرات والريح لا أصوات الماء الجاري.
المستنقع من دون ماء يتحرك كان يهدئها.
وفي إحدى الليالي خلال جلسة حدث ما لم يتوقعه أحد. أخذت باتريشيا الدمية ووضعتها على الطاولة دون أن ترفع بصرها. ثم أشارت إلى ندبة قديمة على ساعدها. ولأول مرة نظرت إلى المعالجة مباشرة.
ونطقت كلمة واحدة.
لم تكن اسما ولا مكانا.
كانت فعلا
الانتظار.
ثم عادت إلى الصمت.
غير هذا الصوت الوحيد مسار القضية.
فالانتظار يعني زمنا. يعني وعيا. يعني أن باتريشيا لم تكن في حالة غياب دائم أو هذيان مستمر. لقد قضت فترات طويلة في يقظة تترقب شيئا.
لكن من كانت تنتظر
أو ماذا
منذ ذلك الوقت بدأ المحققون يفكرون في احتمال أشد ظل*مة أن باتريشيا لم تكن تنجو في المستنقع فحسب بل كانت تمكث في مكان بعينه وقتا طويلا. موضعا تعود إليه. نقطة ثابتة.
نظمت بعثات جديدة بسرية لا للبحث عن بقايا بشرية بل عن تغييرات في البنية الطبيعية أكوام تراب أشجار تحمل علاما*ت متكررة مناطق ينمو فيها النبات بشكل غير منتظم.
الإيفرغلادز قديمة لكنها هشة. وحتى حضور بشري ضئيل يترك أثرا مع الزمن.
وفي إحدى هذه البعثات عثر فريق على شيء مقلق. ليس كوخا ولا مخيما تقليديا بل دائرة من أغصان متشابكة مغطاة بطبقات من أوراق جافة. كان داخلها التراب متماسكا كما لو أن أحدا مكث هناك شهورا.
لم تعثر على أدوات حديثة. لا بلاستيك. لا معدن.
فقط ألياف نباتية.
وعالقا بين الأغصان خصلة صغيرة من شعر داكن.
طابق شعر باتريشيا.
كان الموضع يبعد كيلومترات عن المكان الذي وجدت فيه. وكان الوصول إليه ممكنا لكن فقط لمن يعرف الأرض معرفة حميمة. لمن تعلم كيف يتحرك بلا أثر.
لم يحل هذا الاكتشاف اللغز. لكنه أكد أمرا جوهريا
لم تكن باتريشيا تتجول بلا هدف ثلاثة أعوام.
لقد تعلمت أن تنتمي إلى المستنقع.
وفي ذلك التحول بقي شيء منها هناك ينتظر حتى بعد إنقاذها.
غير العثور على الملجأ البدائي فهم قضية باتريشيا لورانس بصورة لا رجعة فيها. لم تعد قصة امرأة نجت بالمصادفة وهي تتنقل بلا اتجاه. كان هناك قصد. وكان هناك تكيف. وقبل ذلك كله كان هناك استقرار.
لم تكن دائرة الأغصان بنية عشوائية. أجمع خبراء البقاء الذين استشيروا على أنها مصممة لإخفاء حرارة الجسد والحماية من الريح وتحويل المطر دون مواد حديثة. لم تكن باتريشيا المهندسة الحضرية لتعرف بناءها قبل اختفائها. كان ذلك علما اكتسبته مع الزمن.
تعلمته هناك.
تجنب المحققون إعلان الأمر. خشوا اجتذاب الفضوليين أو إثارة تأويلات استعراضية. لكن داخليا كان السؤال حتميا من كانت باتريشيا خلال تلك الأعوام الثلاثة
بدأ علماء النفس يتحدثون عن هوية وظيفية ثانية. لا شخصيات متعددة بالمعنى التقليدي بل نسخة متكيفة منها صنعت لتنجو في بيئة عدائية. تلك النسخة لا تحتاج إلى كلما*ت معقدة ولا إلى ذكريات الماضي. تحتاج إلى روتين. انتظار. مراقبة.
وبقاء.
أما باتريشيا فواصلت العلاج. لم يتدهور حالها لكنه لم يتقدم خطا مستقيما. كانت هناك أيام تقبل فيها أن تأكل وحدها دون الدمية على الطاولة. وفي أيام أخرى ترفض الطعام إن لم تكن الدمية بين يديها.
لقد صار الشيء مرساة.
في يوم ما خلال جلسة هادئة جربت المعالجة شيئا آخر. وضعت أمام باتريشيا عدة ألياف نباتية مشابهة لتلك التي وجدت في الملجأ. دون كلام. اكتفت بتركها. نظرت باتريشيا إليها طويلا. ثم أخذت بعضها وبدأت تجدله بحركات بطيئة دقيقة.
كانت تعرف تماما ماذا تفعل.
لمدة ساعة تقريبا عملت في صمت. وفي النهاية صنعت شكلا صغيرا ناقصا. لم تكن دمية كاملة. بل جذعا بلا رأس.
عندما سئلت لأول مرة إن كانت تريد الحديث عن ذلك هزت رأسها نفيا برفق. لكنها أشارت إلى الشكل الناقص ثم لمست الدمية التي لا تفارقها.
كان الفرق واضحا.
إحداهما ناقصة.
والأخرى مكتملة.
تلك الليلة شهدت باتريشيا أسوأ نوبة منذ إنقاذها. استيقظت وهي تصرخ وهو ما لم يحدث من قبل. كررت عبارة متقطعة لعدة دقائق. لم تكن متماسكة لكن كلمة واحدة كانت تتكرر بوضوح يكفي لتسجيلها
إنهم يأتون.
لم تدم النوبة طويلا. ثم سقطت في إنهاك عميق. زاد الأطباء الجرعات لكن الكلمة بقيت عالقة في هواء فريق التحقيق.
من الذين يأتون
استشير حراس الغابات مجددا. وتحدث بعضهم ممن لهم سنوات طويلة في المنطقة عن شيء قلما يظهر في تقارير رسمية أشخاص يدخلون





