قصص قصيرة

اختفت 3 سنوات في مستنقعات فلوريدا… وعادت حية وهي تحمل سرًا مرعبًا

الإيفرغلادز ولا يخرجون. لا سياحا تائهين بل أفرادا يختارون البقاء. مجموعات صغيرة شبه غير مرئية. ليست بالضرورة عنيفة لكنها منفصلة جذريا عن العالم.
لم تكن هناك أدلة صلبة. مجرد حكايات متناثرة ظلال بين الأشجار مخيما*ت تظهر ثم تختفي إشارات لوجود بشري بلا أثر متصل.
لم يعد ممكنا استبعاد احتمال أن باتريشيا تواصلت مع أحد.
ومع ذلك لم تكن هناك علاما*ت احتجاز. لا إص*ابات تشير إلى تقييد. لا نمط عت,,داء. إن كان هناك آخرون فلم تبد العلاقة علاقة قسر واضح.
وهذا جعل الأمر أكثر إزعاجا.
عادت الدمية إلى مركز الاهتمام. لاحظ الخبراء أنها ليست مجرد رمز. بنيتها تحاكي نسب جسد بالغ لا طفل. عقد الشعر ليست عشوائية. تتبع نمطا يكاد يكون طقوسيا. بعض الألياف النباتية عولجت براتنجات طبيعية وهو ما يتطلب نا*را مضبوطة.
كانت باتريشيا قد أتقنت تقنيات معقدة.
وعندما عرضت عليها صورة جوية للملجأ الذي عثر عليه استجابت فورا. غطت عينيها. تسارع نفسها. ثم احتضنت الدمية بجزع.
كان ذلك خوف,,ا.
لكن ليس من المكان.
بل خوف,,ا من أن يرى ذلك المكان.
منذ ذلك تغيرت الجلسات. لم يعد الهدف استعادة الذكريات بل فهم الحدود. بدت باتريشيا كأنها تحمي شيئا. لا سرا محددا بل نمط حياة كان ضروريا للبقاء.
الكلام عنه قد يحطمها.
وفي مرة سألتها المعالجة مباشرة إن كان هناك شخص آخر معها. لم تجب. لكنها وضعت الدمية على الأرض ثم غطتها بأوراق جافة متخيلة ثم جلست فوقها كما لو أنها تخفيها.
كانت الإشارة واضحة
حماية. إخفاء. صمت.
بدأ المحققون يتقبلون خلاصة جزئية لقد وجدت باتريشيا طريقة للوجود في الإيفرغلادز لا يمكن ترجمتها إلى لغة الحياة اليومية. لم تكن ضحية سلبية ولا مغامرة بإرادتها. لقد عبرت حدا نفسيا.
وكان لعودتها ثمن.
لأن كل محاولة لفهم ما حدث كانت تدفعها بصورة أو بأخرى نحو ذلك العالم الأخضر الصامت المغلق الذي تعلمت أن تسميه موطنا.
لم يعد السؤال ماذا حدث لباتريشيا لورانس
بل هل عادت فعلا بالكامل
مع مرور الشهور لم تعد القضية تعامل كتحقيق نشط بل دخلت فئة أكثر غموضا وإحراجا. رسميا عثر على المرأة حية. لا جريمة مثبتة. لا مسؤول محدد. ومن زاوية القانون كان الملف يقترب من الإغلاق. لكن من زاوية الإنسان كان كل شيء يبدأ.
نقلت باتريشيا إلى منشأة تأهيل طويلة الأمد بعيدا عن الإعلام والفضول العام. كان المكان محاطا بالنبات اختير عمدا لتقليل الصدمة الحسية. أدرك الأطباء أن إعادتها فجأة إلى بيئة حضرية قد تحدث تراجعا لا يمكن إصلاحه.
ومع ذلك بدا أن كل تقدم يأتي مصحوبا بخسارة.
مع الزمن بدأت باتريشيا تنطق كلما*ت متفرقة أكثر. أفعال بسيطة. أكل. نوم. انتظار. ذهاب. لكنها لم تتحدث قط بصيغة الماضي. ولم تستخدم أسماء أشخاص. كأن لغتها تجمدت في حاضر دائم وظيفي بلا تاريخ.
وحين تسأل عن حياتها قبل المستنقع كانت نظرتها تفرغ. لا حزن ولا فزع. فقط غياب. بدا ذلك الجزء من هويتها غير متاح كغرفة مغلقة ضاعت مفاتيحها.
أما الدمية فظلت محورا.
اقترح عالم أنثروبولوجيا جنائي يعمل مع الفريق قراءة مختلفة في ثقافات كثيرة صناعة تماثيل من الشعر الشخصي لا ترتبط بالطفولة بل بطقوس انتقال. أشياء تمثل جزءا من الذات يجب حمايته أو نقله أو احتواؤه.
ليست ألعابا.
بل روابط.
أقلق هذا التصور المحققين. لأنه يعني أن الدمية ليست رمز هشاشة بل رمز سيطرة. وعاء لشيء لا تستطيع باتريشيا أن تسمح بضياعه.
أو بكشفه.
وخلال تقييم أعمق ظهر تفصيل آخر مزعج. كانت باتريشيا تمتلك معرفة دقيقة بدورات الطبيعة. كانت تتنبأ بالمطر قبل ساعات. وتتعرف إلى أصوات بعيدة لحيوانات يحتاج الخبراء وقتا لتمييزها. كان جسدها يستجيب غريزيا لتغيرات طفيفة في الحرارة أو الضغط.
كأن جهازها العصبي أعيد ضبطه.
لم تضعفها الإيفرغلادز.
بل غيرتها.
أثار هذا التحول توترا بين المختصين. رأى بعضهم ضرورة إعادة إدماجها تدريجيا في المجتمع. ورأى آخرون أن الإصرار على تطبيعها قد يكون شكلا من العن*ف النفسي. لم تعد باتريشيا الشخص نفسه الذي غادر ميامي عام 2012. والتمسك بذلك إنكار لثلاث سنوات كاملة من وجودها.
لكن كيف يمكن قبول ذلك
كانت عائلتها تعيش تناقضا دائما. امتنان لكونها حية ومواجهة لامرأة غريبة. امرأة لا تتذكر حكايات مشتركة ولا تتفاعل مع صور قديمة ولا تنطق أسماء كانت جزءا من حياتهم لعقود.
قالت أمها في مقابلة خاصة عبارة سجلت في التقرير النفسي
عادت ابنتي لكن صوتها بقي هناك.
كانت تلك الجملة تلخص كل شيء.
وقع الحدث الأكثر حساسية بعد نحو عام من الإنقاذ. أثناء نزهة مراقبة في حدائق المنشأة توقفت باتريشيا فجأة. كان اتجاه الريح قد تغير. وصلتها رائحة الماء الراكد من بركة قريبة.
دخلت باتريشيا في هلع.
لم تصرخ. لم تهرب. بقيت جامدة تحبس أنفاسها كأن جسدها يستعد للاختفاء. وحين حاول الطاقم الاقتراب انحنت وغطت الدمية بجسدها وتمتمت بكلمة بالكاد تسمع
ليس بعد الآن.
بعد تلك النوبة حدث تراجع كبير. عاد الصمت شبه التام. توقفت الجلسات أسابيع. كان واضحا أن شيئا قد تحرك حدا خفيا لا يجوز تجاوزه.
خلص علماء النفس إلى أن باتريشيا طورت شكلا متطرفا من التكيف الانتقائي. عقلها تعلم ماذا يتذكر وماذا يحجب لكي يستمر. إن إجبارها على استعادة الذاكرة كاملة لم يكن غير مجد فحسب بل قد يكون خطرا.
في هذه الأثناء أغلقت التحقيقات رسميا. خلص التقرير النهائي إلى أن باتريشيا ربما تعرضت لنوبة تفككية تلتها نجاة طويلة في بيئة عدائية. لم يذكر التقرير ملاجئ ولا دمى ولا معارف مكتسبة. كان وثيقة نظيفة. مرتبة. مقبولة.
لكنه لم يكن الحقيقة كلها.
احتفظ بعض أعضاء الفريق بنسخ شخصية من ملاحظات وتسجيلات ومشاهدات. لا مؤامرة بل قلقا. كان هناك عناصر كثيرة لا تنسجم مع تشخيص تقليدي.
أسئلة كثيرة بلا جواب
هل كانت وحدها تماما
هل تعلمت كل شيء بمفردها
أم أنها راقبت آخرين دون احتكاك مباشر
لم توضح باتريشيا ذلك قط. لم تنف ولم تؤكد وجود أي شخص. لم يكن صمتها مقاومة بل كان انسجاما مع العالم الذي تعلمته.
عالم قد يكون فيه الكلام الكثير خطرا.
ومع السنوات وصلت باتريشيا إلى قدر من الاستقرار. تعلمت التعايش مع آخرين في مجموعات صغيرة. لم تقد السيارة مرة أخرى. ولم ترغب في الاقتراب من طرق طويلة. كان ضجيج المرور المتواصل يربكها.
وجدت السك*ينة في أعمال متكررة البستنة وجدل الألياف والمشي البطيء بين الأشجار.
وفي النهاية وضعت الدمية في صندوق خشبي. قبلت باتريشيا الانفصال عنها لكن بشرط واحد أن يبقى الصندوق مغلقا وألا يلمسه أحد.
واحترم الطاقم تلك القاعدة.
اليوم تعيش باتريشيا لورانس في مجتمع محمي. لا تجري مقابلات. ولا تشارك في إعادة تمثيل القضية. بالنسبة إلى العالم هي ناجية استثنائية. وبالنسبة إلى من يعرفها قربا هي شخص عبر حدا غير مرئي وعاد جزئيا.
لا تزال الإيفرغلادز واسعة صامتة هناك.
ومع أن أحدا لم يعثر على ملاجئ مشابهة فإن بعض حراس الغابات يؤكدون أنهم في ليال بعينها يلاحظون إشارات طفيفة لوجود بشري في أماكن لا ينبغي أن يوجد فيها أحد. ليست مخيما*ت. ليست نا*را. مجرد تغيرات طفيفة في النبات. آثار أقدام يبتلعها الماء.
قد يكون ذلك مصادفة.
وقد تكون باتريشيا لم تكن استثناء بل واحدة من القلة الذين عادوا.
ليس اللغز كيف نجت ثلاث سنوات في المستنقع.
بل اللغز ماذا تعلمت هناك جعل من المستحيل أن تعود تماما كما كانت.
وهل ما تعلمته في عمق الإيفرغلادز ما يزال ينتظر من يتوغل بما يكفي ليسمعه.
ومع مرور الوقت توقف اسم باتريشيا لورانس عن الظهور حتى في المنتديات المتخصصة. ابتلعت قصتها اختفاءات أخرى وقضايا أحدث وأكثر ضجيجا وأسهل تفسيرا. ومع ذلك ظل من تابع الملف منذ بدايته يشعر بأن شيئا جوهريا بقي بلا حل.
لا لنقص الأدلة.
بل لفائض الصمت.
بعد سنوات من الإنقاذ طلب أحد المحققين الأصليين إذنا بالاطلاع على الملفات التكميلية التي لم تدرج في التقرير النهائي. كانت ملاحظات هامشية وتسجيلات مستبعدة ومشاهدات سريرية لم تنسجم مع التشخيص الرسمي. لم يكن في ذلك خرق للقانون. إنما عد كل ذلك غير ذي صلة.
والمقلق أنها حين قرئت مجتمعة كونت نمطا واضحا.
لم تتعلم باتريشيا البقاء فقط.
بل تعلمت الاختفاء.
أبلغ عدة شهود بشكل غير مباشر ممن يعملون قرب أطراف الإيفرغلادز خلال تلك السنوات عن شعور بأن أحدا يراقبهم من دون أن يروا أحدا. لم يتحدثوا عن هجما*ت ولا لقاءات مباشرة. تحدثوا عن صمت مفاجئ للطيور وعن مسارات تتبدل من يوم لآخر وعن إحساس بأن الهواء يضغط فجأة.
في وقتها عزي ذلك إلى التوتر والحر والإيحاء.
لكن باتريشيا كانت تصف الظواهر نفسها حين تسأل عن الأماكن الآمنة.
لم تكن تشير إلى خرائط. كانت تتعرف إليها بالإحساس بتغيرات دقيقة في الهواء وبكيفية احتباس المكان لأنفاسه.
دون أحد الأطباء النفسيين شيئا كاشفا بعد جلسة طويلة لم تكن باتريشيا تتحدث عن الاختباء من الحيوانات. كانت تتحدث عن ألا يراها المشهد نفسه.
وكأن للمستنقع وعيا.
طبعا رفضت الفكرة فورا. لكن أحدا لم يستطع تفسير لماذا كانت باتريشيا تتجنب مناطق أكثر أمانا موضوعيا وتشعر بالطمأنينة في أماكن يراها الخبراء قاتلة.
كانت منطقا آخر.
غير إنساني.
وفي مناسبة نادرة وافقت باتريشيا على الرسم. لم ترسم بيوتا ولا أشخاصا. رسمت خطوطا طبقات من نبات وماء وفراغ. أماكن يمكن لشيء أن يوجد فيها بلا أثر. ولما سئلت عما تمثله أجابت بجملة بسيطة
هناك لا يمر الوقت.
غيرت تلك العبارة زاوية النظر العلاجي. لم يعد ينظر إلى باتريشيا كمن فقد الإحساس

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى