
بعد ما خونت جوزي
قعدت جنبه في أوضة المستشفى، ماسكة إيده زي ما هو مسك إيدي من ١٨ سنة.
فتح عينه، وبصلي بتعب: — شكلك اتخضيتي.
دموعي نزلت: — خفت تسيبني قبل ما نعيش يومين عدل.
ابتسم بصعوبة: — إحنا ضيعنا وقت كتير… مش عايز أضيّع الباقي.
قربت الكرسي منه، وقلت: — ولا أنا.
مسك إيدي لأول مرة من سنين من غير تردد…
ولأول مرة ما كانش في بينا ماضي واقف في النص.
خرجنا من المستشفى أهدى… أهدى بكتير.
وبدأنا نعمل حاجات بسيطة:
نتمشى بعد المغرب، نروح نزور قرايب، نتفرج على فيلم سوا، نتخانق خناقات صغيرة عادية بدل الصمت الطويل.
وفي يوم، وأنا بحضر الغدا، محمود وقف ورايا وقال: — فاكرة الدكتورة قالت إيه يوم ما عرفتي موضوع العملية؟
قلت: — قالت أرجع أكلم جوزي.
ابتسم وقال: — كويس إنك رجعتي.
لفّيت ناحيته وقلت: — كويس إنك كنت لسه مستنيني… حتى وإنت زعلان.
بصلي شوية، وبعدين قال: — يمكن ربنا ادانا فرصة تانية… بس بعد ما كبرنا وفهمنا.
وأنا وقتها فهمت حاجة متأخرة قوي…
مش كل البيوت بتقع بسبب خيانة…
ولا كل البيوت بتعيش بسبب الحب.
بعض البيوت… بتكمل عشان أصحابها قرروا يسامحوا.
موش اللي قدامهم بس…
سامحوا نفسهم.
عدّت شهور، والحياة بدأت تمشي بهدوء ما كناش متعودين عليه.
محمود بقى يصحى بدري ويتمشى شوية، وأنا بقيت أستناه بالفطار جاهز. حاجات بسيطة، لكنها كانت بتفرق.
وفي يوم، لقيناه قاعد في البلكونة ساكت، باصص في الشارع.
قلت: — بتفكر في إيه؟
قال من غير ما يبصلي: — في السنين اللي راحت… لو كنت سامحت بدري، كان زمان أحمد عاش في بيت أهدى… وإنتِ ما تعذبتيش كده.
قعدت جنبه وقلت: — وأنا لو ما غلطتش… ما كناش وصلنا لكل ده.
سكت شوية وبعدين قال: — تعرفي إيه اللي مزعلني دلوقتي؟
قلت: — إيه؟
قال: — إن العمر بيجري. ولسه عايز أعيش حاجات كتير معاكي.
ضحكت: — زي إيه مثلًا؟
بصلي وقال: — نسافر. نروح البحر. نعمل عمرة سوا. نرجع نخرج زي زمان.
قلت بهزار: — ده إنت ناوي تتجوزني من جديد؟
رد بهدوء: — لو ينفع… أعملها.
قلبي دق وقتها بطريقة غريبة… زي بنت صغيرة.
وبعد أسبوع، أحمد جه تاني. وفجأة، محمود قال قدامه: — إحنا ناويين نسافر اسكندرية كام يوم.
أحمد بصلي باستغراب: — أنتم؟ لوحدكم؟
محمود ضحك: — آه… عايزين شهر عسل متأخر شوية.
أنا اتكسفت، وأحمد فضل يضحك: — أخيرًا شفتكم عايشين زي أي زوجين طبيعيين.
سافرنا فعلًا. قعدنا قدام البحر، ساكتين، والهوا بيخبط في وشوشنا.
محمود قال فجأة: — سعاد… لو مت قبلك، زعلِيش.
ض.ربته على دراعه: — بعد الشر عليك.
قال بهدوء: — بس بجد… أنا مبسوط إن آخر سنين ليا كانت معاكي وإحنا متصالحين.
دموعي نزلت: — وإنت سامحتني فعلًا؟
بص للبحر وقال: — لما شوفتك في المستشفى بعد الجلطة… عرفت إني لو خسرتك، عمري ما هسامح نفسي.
سكتنا، ومسك إيدي.
ولأول مرة من سنين طويلة،
ما كانش في خوف،
ولا ذنب،
ولا عتاب.
بس راجل وست قاعدين جنب بعض،
كملوا المشوار متأخر…
بس كملوه.
وأنا دلوقتي، بعد كل اللي فات، فهمت حاجة واحدة:
أصعب حاجة مش إن البيت يتكــ,,ـــــسر…
أصعب حاجة إن الناس اللي جواه تفضل عايشة فيه مكسورة.
وإحنا…
اتأخرنا، آه…
بس في الآخر، عرفنا نصلّح نفسنا.
عدّت الشهور، والحياة بقت أهدى شوية… لحد ما حسّينا لأول مرة إن البيت فعلاً بيت، مش مجرد مكان بنشارك فيه السقف والفواتير.
محمود بدأ يهتم بالحاجات الصغيرة: يسألني عن شغلي، يحضرلي قهوة الصبح، حتى بيضحك على نكتتي المزهقة. وأنا كنت بحاول أرجع جزء من الدفء اللي ضاع سنين.
وفي يوم، بعد ما أحمد نام، قعدنا على الكنبة جنب بعض… من غير ما يكون في مسافة، من غير حواجز.
قلت له بصوت متقطع:
— فاكر لما كنا بنفكر نسيب بعض؟
ابتسم بحزن:





