قصص قصيرة

هدموا جدار القبو… فخرج سرّ دفنته البلدة 30 سنة

مهما بدت صلبة لا بد أن تنهار.
إذا رغبت لاحقا
تنقيح لغوي أدبي أعلى
تقليل الطول دون الإخلال بالمحتوى
تحويله إلى قصة للنشر أو رواية قصيرة
مراجعة أسلوبية أقرب للصحافة أو أقرب للأدب
أنا جاهز.
اريد ترجمة النص كامل
أكيد. هذه ترجمة عربية فصحى كاملة للنص كله دون عناوين مع الحفاظ على التسلسل والمعنى والأسلوب السردي
بقي خوسيه كارلوس مينديز جامدا لثوان طويلة ومصباح هاتفه يرتعش في يده. كان شعاع الضوء يفضح داخل التجويف الذي انفتح لتوه في جدار القبو. لم يكن كبيرا بالكاد مترا ونصف المتر عمقا لكنه كان كافيا لأن يخفى فيه إنسان على عجل وبنية واضحة. كان الهيكل العظمي مستندا إلى الجدار الخلفي والساقان مطويتين كما لو أن أحدا وضعه بعناية أو ما هو أسوأ أجبر على اتخاذ تلك الوضعية. كانت بقايا قماش أزرق وأبيض تتدلى على العظام مهترئة تحولت إلى أسمال هشة بفعل الزمن. وبجانبه كانت حقيبة ظهر بنية اللون راقدة كما هي سليمة على نحو يثير الارتباك كأنها تنتظر أن يعود أحد لالتقاطها.
ابتلع رودريغو ريقه. لم ير ميتا قط خارج جنازة فكيف بمشهد كهذا. بدا هواء القبو أثقل مثقلا بصمت ليس صمتا عاديا بل صمتا قديما. أطفأ خوسيه كارلوس المصباح للحظة كأنه يحتاج إلى التأكد أن ما يراه ليس خداعا صنعه التعب والحر. وحين أعاد تشغيله كان الهيكل العظمي لا يزال هناك.
وصلت الشرطة بعد أربعين دقيقة. سيارتا دورية أضواؤهما الزرقاء ترتد على واجهات البيوت المتقادمة في الجوار. كانت سان فيسنتي ديل سور بلدة صغيرة ذات شوارع هادئة حيث يلفت أي صوت مرتفع الانتباه فورا. وفي دقائق معدودة أخذ عدد من الجيران يطلون من الأرصفة يتهامسون فيما بينهم. لم يكن أحد يعرف بعد ما الذي حدث لكن الجميع كانوا يشعرون أنه ليس أمرا عاديا.
نزل مفوض المناوبة إلى القبو برفقة خبير جنائي. التقطت الصور وقيس المكان ووضعت الأشرطة لتحديد نطاق المنطقة. أبعد خوسيه كارلوس ورودريغو وأجلسا في الفناء الخلفي حيث كانت شمس العصر قاسية. شعر خوسيه كارلوس بعقدة في معدته. ذلك البيت الذي اشتري ليرمم ثم يباع أصبح فجأة شيئا مختلفا تماما. مكانا أخفى الزمن فيه سرا أكبر مما ينبغي.
وفي الوقت نفسه وعلى بعد كيلومترات عدة في شقة متواضعة بعاصمة الإقليم كانت امرأة في الخمسينيات من عمرها تطوي ملابس مغسولة حديثا دون أن تدري أن اسم ابنتها على وشك أن ينطق به من جديد بعد عقود.
قبل ثلاثين عاما كانت سان فيسنتي ديل سور أصغر حتى مما هي عليه الآن. كان الجميع يعرف الجميع ويعرف من يسكن كل بيت. كانذلك عام 1976 عاما مطبوعا بمخاوف صامتة بأشياء لا تسأل وبأجوبة لا تقال. كانت مارينا سانتوس في الرابعة عشرة من عمرها لها روتين بسيط المدرسة صباحا الواجبات بعد الظهر ثم مساعدة أمها في البيت. لم تكن فتاة متمردة ولا مثيرة للمشكلات. كان أساتذتها يصفونها بالمجتهدة الهادئة المستعدة دائما للمساعدة.
بدأ يوم اختفائها كأي يوم آخر. كانت الشمس حادة فوق الأرصفة والحر يتسلل إلى صفوف ثانوية دومينغو فاوستينو سارميينتو. قضت مارينا صباحها تنسخ الملاحظات وتحلم بيقظة بالمستقبل الذي تتخيله أن تصبح معلمة أن تدرس في مدرسة كهذه أن تبقى في البلدة أو ربما تذهب إلى المدينة. كانت أحلاما بسيطة لكنها كانت أحلامها.
حين خرجت من المدرسة التقت بلوسيا صديقتها التي لا تفارقها. سارتا معا بضع شوارع تتحدثان عن حفلة السبت وعن فتى يعجب بهما وعن أشياء صغيرة كانت تعني لهما كل شيء. عند زاوية شارع بيلغرانو افترقتا كالمعتاد. كان وداعا طبيعيا بلا عناق طويل ولا نذر سيئة. شدت مارينا حقيبتها البنية على كتفها وتابعت طريقها جنوبا.
ولم تصل.
حين دقت الساعة السادسة مساء ولم تعد مارينا إلى البيت بدأت كارمن سانتوس تقلق. كانت تعرف ابنتها وتعرف أنها لا تتأخر دون أن تخبر. عند السابعة تحول القلق إلى خوف. وعند الثامنة إلى يأس. خرج خورخي سانتوس إلى الشوارع القريبة سأل الجيران دخل المتاجر. لم يرها أحد.
في مركز الشرطة استمع المفوض هيكتور رويث إلى الرواية بملامح متعبة. لم يكن رجلا قاسيا لكنه كان رجلا اعتاد التقليل من الأمور. في تلك السنوات كانت أمور كثيرة تكنس تحت السجادة. كانت الاختفاءات تفسر بالهروب أو بقرارات طائشة أو بصمت مريح. أصر خورخي ضرب المكتب وطالب أن يبحثوا عن ابنته. وعد رويث بإرسال دوريات لكن نبرته لم تحمل استعجالا.
ضاعت الساعات الأولى في إجراءات بطيئة وبحث سطحي. فتشت الساحات وسئل في بيوت الصديقات وجابت الدوريات الشوارع الرئيسية. لم يفكر أحد في النظر أبعد في الأماكن غير المريحة في البيوت المهجورة في الأقبية المسدودة.
ومع مرور الأيام بدأ الملف يبرد. ظهرت الشائعات إن مارينا ذهبت مع حبيب أكبر سنا أو إن أحدا رآها تصعد سيارة أو إنها عبرت إلى بلدة أخرى. كانت كل رواية تكرر ثم تتشوه حتى دفنت الحقيقة تحت طبقات من التخمين.
توقفت كارمن عن النوم. شاخ خورخي فجأة. بقيت غرفة مارينا على حالها سنوات كأنها محراب صامت. لم تعد حقيبة الظهر البنية تظهر. أو هكذا ظن الجميع.
حتى جاء اليوم الذي بعد ثلاثين عاما انهار فيه جدار زائف تحت ضربة معول وأجبر البلدة كلها على النظر في وجه ما قررت نسيانه.
انتشر الخبر بسرعة. هيكل عظمي عثر عليه في بيت قديم. وربما لفتاة شابة. بدأ الجيران يربطون نقاطا ظلت منفصلة عقودا. تذكر بعضهم اختفاء مارينا فيما فضل آخرون الصمت. ففي بلدة صغيرة الصمت أيضا شكل من أشكال البقاء.
وتحت ذلك البيت بين الغبار والطوب كانت الحقيقة تنتظر.
هز العثور على الهيكل العظمي سان فيسنتي ديل سور كما يهز زلزال متأخر. لم يكن وقعا فوريا انفجاريا بل كان شيئا أبطأ وأعمق كشق ينفتح ببطء تحت الأقدام. في البداية جرى تداول الخبر بحذر جسد وجد في بيت قديم لا شيء مؤكد. لكن في القرى الصغيرة لا تبقى الكلمات ساكنة تتغير وتكبر وتتلون. وفي أقل من أربع وعشرين ساعة صار الجميع يتحدث عن فتاة اختفت منذ عقود.
أرسلت الشرطة الإقليمية فريقا جنائيا كاملا. أغلق القبو وخضع البيت للحراسة. استدعي خوسيه كارلوس مينديز للإدلاء بإفادته في الليلة نفسها. روى كل شيء بدقة كل ضربة معول الصوت الأجوف شعاع المصباح وهو يخترق الداخل. وكان يكرر جملة واحدة كأنها اعتذار لم نكن نعلم أنه هناك. لم يكن أحد يعلم أو هكذا قالوا.
نقلت العظام بعناية شديدة. كل عظمة كل خيط قماش كل غرض جرى توثيقه. لفتت حقيبة الظهر البنية الانتباه فورا. كانت يابسة لكنها محفوظة على نحو مدهش. في داخلها وجدوا دفاتر شبه غير مقروءة ومقلمة ومنديلا مطرزا بحرفين بالكاد يظهران م. س. حرفان لم يعنيا شيئا للبعض لكنهما كانا ضربة في الصدر لآخرين.
حين ظهر اسم مارينا سانتوس في التقارير الأولية عاد الماضي دون استئذان.
كانت كارمن سانتوس جالسة في المطبخ حين رن الهاتف. جعلها الصوت ترتجف. لعقود كانت تعيش مع هذه الرعشة كأن كل مكالمة قد تحمل الخبر الذي لم يصل. على الطرف الآخر طلب صوت رسمي تأكيد هويتها. ثم قال كلمات انتظرتها وخشيتها ثلاثين عاما عثر على بقايا بشرية ويعتقد أنها قد تكون لابنتها.
لم تصرخ. لم تبك. بقيت صامتة يدها على الطاولة تشعر بأن شيئا ما يستقر في داخلها بطريقة موجعة لكنها نهائية. كان عدم المعرفة جرحا مفتوحا. أما المعرفة حتى لو كانت الأسوأ فشيء آخر.
لم يكن خورخي موجودا لسماع الخبر. مات قبل عشر سنوات وحمل معه شعور الذنب لأنه لم يجد مارينا ولأنه لم يفعل أكثر ولأنه لم يعرف أين يبحث. فكرت كارمن فيه تلك الليلة. كيف كان سيرد ربما كان سيضرب جدارا أو يطالب بالعدالة صائحا أو يبكي كما لم يسمح لنفسه قط.
كان تحديد الهوية بطيئا فحوصات حمض نووي تحاليل أسنان مقارنة بسجلات قديمة. كل خطوة كانت تطيل الانتظار وتزيد النتيجة واقعية. وفي أثناء ذلك كانت البلدة تراقب بعضهم بفضول بعضهم بخوف. لأن وجود مارينا هناك كل هذا الزمن يعني أن أحدا ما كان يعلم أو على الأقل كان يشك.
بدأ الصحفيون يصلون أولا من الإذاعات المحلية ثم قنوات إقليمية. كاميرات أمام المخفر ميكروفونات ممدودة أسئلة محرجة. كان المفوض هيكتور رويث قد تقاعد لكن اسمه عاد يتردد. دافع عنه بعضهم واتهمه آخرون. ففي عام 1976 كان أعلى سلطة شرطية في البلدة وكانت القرارات أو غيابها تمر من يديه.
كان للبيت الذي عثر فيه على الجثة تاريخ. كان قد يعود لعائلة غادرت منتصف السبعينيات. ظل مهجورا سنوات يتنقل بين ملاك دون أن يسكنه أحد طويلا. مكان منسي مثالي لإخفاء ما لا يجب أن يعثر عليه.
أكد خبراء الطب الشرعي أن البقايا ظلت في ذلك المكان عقودا. لم يمكن تحديد سبب الوفاة يقينا لكن كانت هناك مؤشرات واضحة على عنف. لم تهرب مارينا. لم تختف بإرادتها. لم تختر الغياب.
حين تلقت كارمن التأكيد الرسمي طلبت أن ترى حقيبة مارينا. عرضت عليها في غرفة بيضاء تحت ضوء اصطناعي. ما إن رأتها حتى ارتجفت يداها. تعرفت على الرقعة المخيطة في أحد الجيوب كانت هي من أصلحته بنفسها حين تمزق. كان دليلا صامتا لكنه قاطعا. كانت مارينا هناك. وكانت قد ماتت هناك.
كان الوداع بسيطا. لم يكن هناك جسد بل ذكريات. صورة مكبرة لمارينا في الرابعة عشرة تبتسم بخجل بدا كأنه من عالم آخر. حضر جيران لم يذكروا اسمها منذ سنوات للتعزية. بعضهم بدموع صادقة وبعضهم بكلمات فارغة. كانت كارمن تسمع الجميع لكن ذهنها كان في مكان آخر في الماضي يعيد كل تفصيل كل قرار كل باب لم يفتح.
أعيد فتح التحقيق رسميا. قضية باردة دفنتها السنوات عادت إلى السطح. راجع المحققون الملفات القديمة واستجوبوا أشخاصا كانوا شبابا عام 1976 وأصبحوا اليوم أجدادا. كثيرون قالوا إنهم لا يتذكرون. وآخرون تذكروا أكثر مما ينبغي.
كانت لوسيا الصديقة التي ودعت مارينا عند زاوية بيلغرانو من أوائل من استدعوا. كانت تعيش في مدينة أخرى لها أبناء وحياة بنيت على طبقات من الاعتياد. حين دخلت غرفة التحقيق شعرت بأنها عادت في العمر أربع عشرة سنة. كررت روايتها الوداع المشي لا شيء غير طبيعي. لكن هذه المرة انكسر صوتها لأنها تعرف الآن كيف انتهت القصة.
بدأت أسماء تظهر همسا رجال عاشوا قرب الطريق الذي كانت مارينا تسلكه أشخاص غادروا البلدة تعليقات كانت قد رفضت آنذاك كثرثرة. الحقيقة حين تظهر متأخرة تظهر ناقصة متكسرة.
تغيرت سان فيسنتي ديل سور. ليس ظاهرا بل عميقا. صار الكلام أقصر والنظرات أطول.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى