قصص قصيرة

هدموا جدار القبو… فخرج سرّ دفنته البلدة 30 سنة

لأن الهيكل العظمي تحت البيت لم يكشف جريمة فقط بل كشف أيضا عقدا صامتا من الإهمال والخوف واللامبالاة.
عادت كارمن إلى غرفة مارينا لأول مرة منذ سنوات. فتحت الخزانة لمست الملابس جلست على السرير. لم تبك. شعرت بشيء آخر سكينة حزينة. معرفة مكان ابنتها لا تعزيها لكنها أزالت ثقلا لا يحتمل اسمه عدم اليقين.
كانت العدالة تتحرك ببطء كالعادة. ربما ببطء شديد بحيث فات الأوان لمعاقبة المسؤولين. لكن بالنسبة لكارمن ولذكرى مارينا ولبلدة تعلمت الصمت لم يعد الصمت خيارا.
لأن بعض الجدران مهما بدت صلبة لا بد أن تنهار.
لم يؤد فتح ملف مارينا سانتوس إلى تحريك الملفات المغبرة فحسب بل نبش شيئا أكثر إزعاجا ذاكرة البلدة الانتقائية. لسنوات كانت سان فيسنتي ديل سور تتعايش مع الغياب كما لو أنه جزء من المشهد. كان اسم مارينا يذكر أحيانا في ذكريات خافتة أو أحاديث هامسة. لكن الآن مع وجود دليل مادي ومسرح جريمة محدد لم يعد هناك مجال للغموض.
وصل المدعي العام الجديد إستيبان رولدان من العاصمة بسمعة أنه شديد الدقة. لم يكن شابا ولا جذابا في حضوره لكنه امتلك شيئا يزعج الآخرين كان يصغي أكثر مما يتوقعون. أمضى أيامه الأولى دون تصريحات يقرأ كل صفحة من الملف الأصلي يدون ملاحظات بيده يضع علامات على التواريخ والأسماء والتناقضات. ما وجده لم يكن مجرد إهمال بل سلسلة قرارات صغيرة حين تراكمت جعلت القضية تتلاشى.
في عام 1976 سجل البلاغ رسميا بصورة صحيحة لكن البحث كان قصيرا وفوضويا. لم تجر عمليات تمشيط واسعة. لم تفتش البيوت القريبة. لم يستجوب بعض الجيران بجدية. بدا كل شيء كأنه توقف بسرعة غير مبررة كأن أحدا ما قرر أن الاستمرار لا يستحق.
طلب رولدان إعادة استجواب هيكتور رويث. كان المفوض المتقاعد يعيش الآن في بيت متواضع على بعد بضعة شوارع من المركز. كان في التاسعة والسبعين ظهره محني ويداه ترتجفان باستمرار. حين فتح الباب ورأى بطاقة المدعي العام لم يبد متفاجئا بقدر ما بدا مرهقا كأنه كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي عاجلا أو آجلا.
دامت المقابلة أكثر من ثلاث ساعات. أصر رويث على أنه فعل ما استطاع ضمن موارد ذلك الزمن. تحدث عن السياق عن فوضى البلد عن أوامر تأتي من الأعلى عن أولويات غير معلنة. تجنب ذكر الأسماء. وكلما حاول رولدان الدخول في تفاصيل قرار بعينه حول رويث الكلام إلى عموميات. ومع ذلك كان هناك لحظة شبه غير مرئية انكسر فيها صوته عندما ذكر المدعي العام البيت الذي عثر فيه على الجثة.
ذلك البيت كان في عام 1976ملكا لرجل اسمه إرنستو ليديسما.
لم يظهر الاسم كمشتبه به في الملف الأصلي. ورد بالكاد في شهادة جانبية بوصفه جارا من المنطقة. كان ليديسما موظفا بلديا مسؤولا عن الصيانة. رجلا وحيدا بلا أسرة قريبة معروفا بطباعه المنعزلة. مات عام 1998 رسميا لأسباب طبيعية.
طلب رولدان مراجعة كل ما يخص ليديسما. ووجد أمرا لافتا خلال الأيام التي تلت اختفاء مارينا كان ليديسما قد طلب إجازة أسبوع من عمله. لم تسجل أي أسباب. ولم يعتبره أحد ذا صلة آنذاك.
حين بدأ المحققون يسألون جيرانا قدامى خرجت ذكريات مزعجة تعليقات لم تتحول يوما إلى بلاغات نظرات ملحة شجار في الشارع مع مراهقة قبل سنوات. لا شيء حاسم وحده لكنه مقلق حين يجمع.
استدعيت لوسيا مرة أخرى. وهذه المرة كان السؤال مختلفا. لم يريدوا منها تكرار ما حدث في ذلك اليوم فقط بل أن تتحدث عن البيئة عن رجال الحي عن التحذيرات التي كانت تتداولها الفتيات فيما بينهن ولا يأخذها أحد بجدية. ترددت لوسيا عضت شفتها ثم تكلمت.
قالت إن مارينا ذكرت لها قبل أسابيع من اختفائها رجلا كان يراقبها حين تعود من المدرسة. لم تعرف اسمه لكنها قالت إنه يسكن قرب بيت قديم وكان دائما يصلح الأشياء ويبدو لطيفا لكنه ملح. لم تعر لوسيا الأمر اهتماما آنذاك. لم تعره أي منهما اهتماما. كانتا في الرابعة عشرة وكانتا معتادتين أن تكون مثل هذه الأشياء جزءا من اليوم.
غيرت هذه الشهادة مسار التحقيق.
ورغم أن إرنستو ليديسما كان قد مات لم تغلق القضية. لم يكن الهدف فقط العثور على مذنب حي بل إعادة بناء الحقيقة وتحديد المسؤوليات وفهم كيف يمكن لمراهقة أن تختفي في وضح النهار دون أن يتدخل أحد.
فحص البيت مجددا. كشفت تعديلات إنشائية لا تظهر في المخططات الأصلية. كان الجدار الزائف في القبو قد بني بعد وقت قصير من عام 1976 بمواد من تلك الحقبة. لم يكن حادثا. كان قرارا واعيا. أراد أحدهم إخفاء شيء إلى الأبد.
كانت كارمن تتابع كل تطور بمزيج من الراحة والألم. المعرفة لا تجعل الألم أقل لكنها أعادتها إلى شيء افتقدته أن تشعر أن مارينا كانت تعني شيئا وأن قصتها لن تختزل إلى هامش.
في البلدة تباينت ردود الأفعال. طالب بعضهم بعدالة رمزية بينما تمنى آخرون أن يدفن الماضي من جديد. دافع البعض عن ذكرى ليديسما بحجة أنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وكان رولدان واضحا في مؤتمر صحفي المسألة ليست انتقاما بل حقيقة تاريخية.
نظمت مسيرة صامتة. شموع صور أسماء. لا من أجل مارينا وحدها بل من أجل غيابات أخرى لم تحقق كما يجب. كانت تلك أول مرة تنظر فيها سان فيسنتي ديل سور إلى نفسها دون أقنعة.
في إحدى المقابلات الأخيرة سأل رولدان كارمن عما ترجوه الآن. فكرت قليلا قبل أن تجيب. لم تتحدث عن عقاب ولا عن تسامح. قالت شيئا أبسط وأصعب ألا يعود أحد ليقول إن فتاة هربت فقط لأن هذا أسهل عليهم أن يصدقوه.
خلص التقرير النهائي إلى أن مارينا سانتوس كانت ضحية قتل ارتكبه إرنستو ليديسما مع وجود أدلة ظرفية قوية لكن دون إمكانية لمحاكمة جنائية. وأشار التقرير أيضا إلى إخفاقات خطيرة في التحقيق الأصلي وأوصى بمراجعة الإجراءات في قضايا اختفاء القاصرين.
حين أغلق الملف رسميا أخذت كارمن حقيبة مارينا إلى المقبرة. لم تدفنها. وضعتها مسندة إلى جوار شاهد قبر جديد يحمل الاسم الكامل والتواريخ التي لم تكن موجودة لسنوات. بقيت هناك طويلا في صمت.
سقط الجدار. ليس جدار القبو فقط بل جدران أخرى غير مرئية بنيت بالخوف واللامبالاة وراحة عدم السؤال.
وبالرغم من أن الحقيقة جاءت متأخرة فقد جاءت. وأحيانا هذا كل ما يبقى لبدء الترميم.
لم يمنح إغلاق ملف مارينا سانتوس الراحة التي توقعها كثيرون. بل على العكس فتح شقا عميقا في سان فيسنتي ديل سور. لأسابيع عاش الناس حالة غريبة كأن الزمن توقف بين الماضي والحاضر. كانت الستائر تغلق أبكر والأحاديث تنقطع إذا اقترب شخص أكثر مما ينبغي وبدأت الأسماء تثقل.
كان رولدان يعلم أن التقرير النهائي ليس نهاية بل خط فاصل. لذلك قرر البقاء أياما أخرى. كان ثمة شيء لا يستقيم في نظره. جوهر القضية بات واضحا لكن الهوامش ظلت ضبابية. وفي الهوامش كان يشعر بأن هناك قصصا أخرى.
طلب الوصول إلى أرشيف المفقودين بين 1975 و في الإقليم لا القاصرين فقط بل البالغين أيضا. كانت القائمة أطول مما يتذكره الناس. قضايا أغلقت بوصفها هروبا طوعيا أو حوادث دون جثة أو بلاغات سحبت. أنماط. صمت متكرر. قرارات سريعة لإغلاق ملفات مزعجة.
لفت انتباهه اسم إلينا بارغاس سبعة عشر عاما اختفت عام 1978. كان ملفها ضئيلا صفحة ونصف فقط. شوهدت آخر مرة وهي تخرج من عملها في مخبز بوسط البلدة. أغلق الملف خلال أقل من شهر. بلا جثة بلا مشتبهين بلا متابعة.
طلب رولدان لقاء عائلة بارغاس. وجد أختا كبرى آنا لا تزال تعيش في البلدة. حين حضر المدعي العام نظرت إليه بمزيج من الشك والأمل. مضت عقود دون أن يسأل أحد عن إلينا.
قالت آنا إن شقيقتها ذكرت مرارا رجلا يتبعها عند خروجها من العمل. لم تعرف اسمه فقط أنه أكبر سنا يرتدي دائما ثياب عمل ويبدو كأنه يعرف الجميع. وعندما ذهبت آنا للشكوى في المخفر قالوا لها إنها تبالغ وإن شقيقتها تريد ترك البلدة وإن عليها ألا تثير المشاكل.
لم يحتج رولدان إلى مزيد من الأسئلة ليرى النمط ذاته.
في تلك الأثناء بدأت كارمن تتلقى رسائل. بعضها داعم وبعضها مجهول محمل باللوم. اتهموها بأنها تنبش الماضي وتلطخ أسماء وتكسر سلاما بني خلال سنوات. كانت تقرأ كل الرسائل دون أن ترد. وللمرة الأولى منذ زمن طويل لم تشعر بالخوف. بل بشيء أصلب تصميم.
أما لوسيا فلم تستطع أن تمنع الذنب من اللحاق بها. كانت تحلم بمارينا بزاوية بيلغرانو بطرقات تتشعب. طلبت مساعدة نفسية شيء لم تفعله من قبل. وفي إحدى الجلسات قالت بصوت مسموع ما خبأته عقودا لو أنها أصرت لو أنها تحدثت أبكر ربما كان كل شيء مختلفا. لم تمنحها المعالجة عزاء سهلا. قالت لها فقط إن الصمت نادرا ما يكون قرارا فرديا غالبا ما يكون تعلما جماعيا.
دعا رئيس البلدية إلى اجتماع طارئ للمجلس البلدي. كان الجو متوترا. اقترح بعض الأعضاء إنشاء لجنة للذاكرة والمراجعة التاريخية. ورفض آخرون بشدة بحجة عدم وجود موارد وأن نبش الماضي سيجلب الانقسام وأنه لا يجوز محاكمة الأمس بعيون اليوم.
حضر رولدان كمستمع. لم يتكلم حتى النهاية. وحين تكلم كان موجزا قال إن القرى التي لا تراجع تاريخها محكوم عليها بتكراره لا من باب الشر بل من باب العادة. لم يصفق الجميع لكن لم يستطع أحد تفنيده.
هدم بيت إرنستو ليديسما أخيرا. لم يكن بأمر قضائي بل بقرار بلدي. رسميا لأسباب تتعلق بالسلامة الإنشائية وغير رسميا لأن أحدا لم يعد يحتمل رؤية ذلك القبو. في يوم الهدم تجمع عدد من الناس يراقبون من الرصيف المقابل. لم يتكلم أحد. حين سقط الجدار غطى الغبار الشارع كضباب كثيف. بكى بعضهم ورحل آخرون دون أن يلتفتوا للخلف.
بين الأنقاض وجد عامل شيئا آخر. لم يكن جثة ولا غرضا شخصيا. كانت ميدالية دينية صغيرة صدئة مسطحة بثقل الزمن. لم تظهر في الجرد الأول. نظر رولدان إليها بصمت. لم يستطع ربطها مباشرة بمارينا لكنه لم يستبعدها أيضا. احتفظ بها كرمز لما قد يبقى مخفيا حتى بعد قول الحقيقة.
بدأت الصحافة الوطنية تهتم بالقضية. جاء مراسلون وكاميرات وميكروفونات. بعضهم جاء بحثا عن العدالة وبعضهم بحثا عن الإثارة. رفضت كارمن أغلب المقابلات. وقبلت واحدة فقط بشرط ألا تذكر تفاصيل مزعجة. أرادت أن يتحدث عن مارينا كإنسانة لا كضحية.
في تلك المقابلة قالت شيئا تجاوزه صدى البلدة إنها طوال سنوات قيل لها أن تتقبل عدم المعرفة وأنها تعلمت أن عدم المعرفة هو أيضا شكل من

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى