
تظاهر مليونير بالسفر… فعاد ليجد معجزة في مطبخه قلبت حياته وابنه للأبد
وأغمض عينيه لحظة مودعا رجل الأعمال الكبير روبرتو. فتح عينيه وفي فعل شجاعة قصوى وضع العلبة على رأسه محاولا موازنتها. صاح وهو يصنع وجها مضحكا وينفخ وجنتيه أوه أوه! ستقع ستقع!
سقطت العلبة وتدحرجت على الأرض. اڼفجر بيدريتو ضاحكا. كان ذلك أجمل صوت سمعه روبرتو في حياته. أجمل من أي سمفونية أحلى من أي مديح من شركائه. كان ابنه يضحك معه لا عليه.
مدفوعا بالنجاح زحف روبرتو على أربع. كانت بدلة الآلاف تجر على الأرض وتمسح الغبار لكنه لم يهتم. اقترب من بيدريتو مقلدا صوت محرك أو ربما دب لم يكن متأكدا لكنه كان يصدر ضجيجا. قال بررروم هنا يأتي بابا الدب!
أطلق بيدريتو صيحة فرح وبدلا من أن يهرب فعل شيئا لا يصدق اندفع نحوه. لم يمش بإتقان تعثر خطا خطوتين غير ثابتتين وسقط لكنه سقط على صدر روبرتو.
كان الاصطدام لطيفا لكنه بالنسبة لروبرتو كان كأنهم أعادوا روحه إلى جسده. شعر بوزن ابنه الدافئ برائحة الحليب والبودرة بأصابع صغيرة تقبض على قميصه المتجعد. ضم روبرتو ابنه لكن هذه المرة لم يكن عناقا متصلبا من حماية مذعورة بل كان عناق لعب ومخالطة وملامسة جلد لجلد.
ډفن روبرتو وجهه في عنق الطفل واستنشق بعمق. شهق باكيا هل تسامحني وهذه المرة لم يستطع كبح نفسه. بكى علنا غير آبه بأن تراه الخادمة. بكى على الوقت الضائع وعلى الخۏف الغبي وعلى الوحدة التي فرضها على نفسه. سامحني يا بني سامحني لأنني لم أؤمن بك.
لم يكن بيدريتو يفهم الكلمات لكنه كان يفهم الشعور. توقف عن الضحك ووضع يده الصغيرة اللزجة على خد أبيه المبلل. قال بهدوء بابا.
كانت إلينا تراقب المشهد من بضعة أمتار بابتسامة راضية وعيون لامعة. كانت تعلم أن عملها قد تم أو على الأقل الجزء الأصعب منه. لقد كسرت الجليد. لقد أذابت العملاق الجليدي.
سألت إلينا بصوت منخفض وهي تلامس اللحظة بحذر هل تشعر بها أليس كذلك
رفع روبرتو رأسه بعينين حمراوين وهو يعانق ابنه كأنه أثمن كنز في الكون. سأل بماذا
قالت إلينا وهي تشير إلى ساقي بيدريتو اللتين كانتا تركلان بخفة على بطن روبرتو ساقاه. المسهما لا تخف.
مرر روبرتو يديه الكبيرتين إلى ساقي الطفل. كان يتوقع أن يشعر بترهل الضمور بتلك الضعف الذي وصفه له الأطباء مرارا لكن ما شعر به تحت قماش البيجاما أذهله شعر بتوتر. شعر بعضلات صغيرة صلبة متجاوبة. شعر بالحياة.
لم تكن ساقان ميتتين بل ساقين كانتا تعملان سرا تقويان يوما بعد يوم بفضل المرأة التي حاول طردها.
همس روبرتو غير مصدق وهو يدلك الفخذين برفق إنهما قويتان قويتان يا إلينا. أشعر بالعضلة.
قالت إلينا وهي تنهض وتتجه نحو النافذة لتمنحهما بعض الخصوصية لكنها تتحدث من فوق كتفها طبعا هما قويتان. تلك العضلات صنعت من ضحكات وألعاب وألف سقوط وألف نهوض. أنت ترى النتيجة يا سيدي لكن ما تحمله بين ذراعيك هو ثمرة المثابرة.
نظر روبرتو إلى إلينا بامتنان لا يتسع له الكلام. في تلك اللحظة انقلبت الهرمية الاجتماعية تماما هي المعلمة وهو التلميذ هي الغنية بالحكمة وهو المتسول الذي تلقى صدقة من الأمل.
قال روبرتو شكرا وبدا له أن الكلمة لا تكفي. لا أعرف كيف لا أعرف كيف أكافئك على هذا. كنت سأطردك. عاملتك كأنك مچرمة وأنت منحت ابني الحياة التي حرمته أنا منها.
استدارت إلينا وضوء الشمس خلفها يصنع هالة شبه ملائكية لكنها بقيت إنسانة من لحم ودم بزي متجعد ويدين متعبتين.
قالت لا تدين لي بشيء يا سيدي أريد منك طلبا واحدا فقط.
قال روبرتو بسرعة متلهفا للتكفير أي شيء. هل تريدين زيادة الضعف ثلاثة أضعاف هل أدفع لك الدراسة بيتا اطلبي ما تشائين.
هزت إلينا رأسها مبتسمة بتلك الحكمة المتواضعة التي تسقط أي محاولة لتحويل الأمر إلى صفقة.
قالت لا أريد مالك يا سيد روبرتو. المال يشتري الأسرة لكنه لا يشتري النوم. يشتري الأدوية لكنه لا يشتري الصحة. أريد منك فقط ألا تنهض الآن. ابق هناك في الأسفل قليلا. العب معه حتى يتعب. تعرف إلى ابنك. هذا سيكون أجري.
أومأ روبرتو وهو يبتلع ريقه. عاد بنظره إلى بيدريتو الذي كان يحاول الآن أن يضع قبعة الطاهي على رأس أبيه.
خفض روبرتو رأسه مستسلما متقبلا القبعة السخيفة فوق شعره المصفف بعناية. قال وهو يبتسم بين الدموع حسنا يا قبطان أنت الآمر. هيا نلعب.
وفي ذلك البلاط تحت نظرة خادمة صنعت معجزة بالعلب والحب تعلم مليونير للمرة الأولى في حياته معنى أن يكون غنيا حقا.
بقي روبرتو على الأرض يلهث لا من التعب الجسدي بل من فيضان المشاعر الذي يهز جسده. كانت قبعة الطاهي مائلة على رأسهتفصيلا مضحكا منحه على نحو مفارق كرامة جديدة كرامة الأب الذي يقبل أن يكون مهرجا من أجل ابتسامة ابنه.
كان بيدريتو وقد أرهقه لقاء المشاعر مستندا إلى صدر روبرتو يعبث بشرود بأزرار قميصه المفتوح. كسرت إلينا الصمت المقدس الذي سكن المطبخ لا بأمر بل بدعوة رقيقة تكاد تكون همسا كأنها تشارك سرا قديما.
قالت وهي تقترب زاحفة لتبقى في مستواهما الآن يأتي الجزء الأصعب يا سيد روبرتو.
رفع روبرتو عينيه يمسح أثر دمعة بظهر يده. قال وهو يمرر يده على شعر ابنه الرقيق الجزء الأصعب ظننت أن الأصعب هو الإيمان. أنا أؤمن الآن يا إلينا. رأيته يمشي. رأيته يثبت.
قالت إلينا وهي تدحرج إحدى علب الرمل بين يديها الإيمان هو الخطوة الأولى. لكن الحفاظ على الإيمان عندما يتعب الطفل عندما يبكي لأنه لا يريد أن يعمل عندما تكون أنت نفسك مرهقا بعد يوم في المكتب هذا هو الأصعب الاستمرار يا سيدي. الحب ليس معجزة يوم واحد إنه انضباط يومي.
جلست إلينا قبالته متربعة ونظرت إليه بحدة متحدية. قالت بيدريتو لعب الآن. والآن عليه أن يعمل وأنت ستكون أداته اليوم.
قال روبرتو وهو يستقيم وقد اشتعلت في صدره شرارة عزم قولي لي ماذا أفعل.
كان يريد أن يكون نافعا. كان يريد أن يعوض كل ساعة غياب كل يوم فوض فيه رعاية ابنه لغرباء.
أعلنت إلينا سنقوم بالتسلق. وما إن سمع بيدريتو الاسم حتى رفع رأسه فجأة وعيناه تلمعان بالتعرف والحماس.
قال روبرتو مستغربا التسلق
شرحت إلينا وهي تشير إلى جسد روبرتو العريض القوي أنت الجبل يا سيدي. ستبقى ساكنا ثابتا كالصخرة وهو عليه أن يصعد عليك حتى يصل إلى كتفيك دون أن تساعده دون أن ترفعه.
عاد الذعر الغريزي إلى روبرتو إلينا إنه صغير جدا. إن انزلق كتفاي مرتفعان قد يسقط على ظهره.
قالت إلينا مؤكدة وهي تتمركز خلف الطفل ويداها مستعدتان كشبكة أمان بشړية سأكون خلفه لألتقطه إن سقط. لكن أنت لا تستطيع لمسه. أنت تقدم الدعم فقط.
عليه أن يجد القوة ليتسلق. ساقاه يجب أن تدفعا وذراعاه يجب أن تشدا. هذا أكمل تمرين اخترعناه.
ابتلع روبرتو ريقه. كانت اختبار ثقة ۏحشيا. عليه أن يتحول إلى شيء ساكن وأن يترك ابنهابنه الهشيصارع الجاذبية مستخدما جسده سلما.
تمتم روبرتو وهو يغلق عينيه لحظة ليثبت نفسه حسنا.
هتفت إلينا بمرح أنا مستعدة يا جبل!
أطلق بيدريتو صيحة حرب ووقف ممسكا بقميص روبرتو. غرز ركبتيه العظميتين في فخذي أبيه.
شعر روبرتو پألم حاد من ضغط العظام الصغيرة على جسده لكنه لم يشتك. بل بدا له ذلك الألم حقيقيا ملموسا صلة جسدية تؤكد أن ابنه هناك يقاتل حيا. زمجر الطفل من شدة الجهد. كانت يداه الصغيرتان تبحثان عن تمسك في طيات القميص وفي الحزام الجلدي وعلى صدر روبرتو.
شجعت إلينا من الخلف من دون أن تمسه فقط تراقب هيا يا بطل افتح القمة.
كان على روبرتو أن يعض شفتيه كي لا يتدخل. كل ذرة فيه كانت تصرخ احمله ارفعه سهل عليه الطريق. كان يرى وجه بيدريتو محمرا من الجهد. يرى العرق على جبينه الصغير. يسمع تنفسه اللاهث. ساعده! يهمس به غريزه الأبوي القديم. دعه يكون! تصرخ به تلك الروح الجديدة التي أيقظتها إلينا فيه.
انزلق بيدريتو. فقدت قدمه اليمنى التماسك على قماش بنطال روبرتو. أطلق الطفل أنين فزع وبقي معلقا بقميص أبيه يرفس في الهواء.
رفع روبرتو يديه تلقائيا ليمسكه.
صړخت إلينا كالسوط لا! أنزل يديك. يستطيع أن يستعيد توازنه. دعه يحل المشكلة.
أطاع روبرتو وهو يرتجف ويداه معلقتان في الهواء يتعذب من عدم الفعل. عبس بيدريتو حين لم يأت الإنقاذ السهل. زمجر بإحباط لكنه لم يبك. بحث بقدمه عن سند من جديد فوجد مشبك حزام روبرتو. وضع قدمه هناك. دفع بقوة مدهشة لطفل في حالته واستعاد وضعه.
همس روبرتو مذهولا هذا هو كان يشاهد العناد في أنقى صوره. ابنه لا يستسلم. ابنه محارب.
ببطء سنتيمترا بعد سنتيمتر واصل بيدريتو الصعود اجتاز البطن وصل إلى الصدر أمسك كتفي روبرتو بيديه اللزجتين وأخيرابدفعة جبارة أخيرةرفع نفسه حتى جلس على كتفي أبيه يلهث أشعث لكنه يبتسم ابتسامة أضاءت الغرفة كلها.
صړخ بيدريتو وهو يضرب رأس روبرتو بكفيه القمة!
صفقت إلينا وروبرتووهو يشعر بوزن ابنه على كتفيه كأنه تاج من ذهبأحس أن قلبه يكاد ينفجر فخرا. لم يكن فخر الدرجات أو الأدب بل الفخر البدائي برؤية صغيره ينجو وينتصر.
أمسك روبرتو بكاحلي بيدريتو ليؤمنه ثم نهض ببطء من الأرض. والآن وهو واقف وابنه في الأعلى شعر روبرتو بقوة حقيقيةلا بسبب المالبل لأنه صار قاعدة لابنه.
قال روبرتو بعينين لامعتين وهو ينظر إلى إلينا لقد فعلها صعد وحده.
أجابت إلينا بابتسامة حانية صعد لأنك بقيت ثابتا ووثقت. أحيانا يا سيدي أفضل ما يفعله الأب هو أن يكون جبلا ثابتا ويدع الابن يجد طريقه إلى القمة.
مشى روبرتو في المطبخ وبيدريتو على كتفيه. كان الطفل يضحك وهو يرى العالم من ارتفاع لم يعرفه من قبل. كان ېلمس المصباح في السقف وينظر إلى أعلى الثلاجة. شعر روبرتو بساقي بيدريتو تضغطان على عنقهقويتين حيتين.
قال روبرتو وهو يتوقف أمام إلينا شكرا لأنك أدخلتني في هذا.
قالت أشكرك لأنك سمحت لي بالدخول إلى عالمه. ثم أضافت هذا كان دائما عالمك أيضا يا سيدي لكنك نسيت المفتاح.
وبعد عشرين دقيقة من اللعب المكثف استسلم بيدريتو أخيرا للنوم. كانت أدرينالين التسلق والرقصة التي تلتها مع أبيه قد استنفدت ما لديه من طاقة.
غفا بين ذراعي روبرتو ورأسه مستند إلى كتفه يتنفس بذلك الإيقاع العميق الهادئ الذي يميز الأطفال السعداء. مضى روبرتو نحو غرفة الجلوس وهو يحمل ابنه بخشوع يكاد يكون دينيا. وكانت إلينا تتبعه على بعد خطوات قليلة في مسافة احترام تحمل زجاجة الرضاعة المملوءة بالماء ومنشفة صغيرة.
كانت غرفة الجلوس في القصر مهيبة وباردة. أثاث بتصميم إيطالي وسجاد فارسي يبدو كأنه متاحف محرم السير عليها ومنحوتات معدنية
تجريدية. كل شيء





