قصص قصيرة

نادلة أطعمَت طفلين يتيمين… وبعد 17 عامًا توقّفت سيارة فاخرة أمام بابها! 😱

وخدودهما الغائرة.
متى كانت آخر مرة أكلتما فيها طعاما ساخنا
خفض أليخاندرو رأسه في صمت ثقيل كأنه يحاول أن يبتلع شيئا أكبر من عمره. كانت قطرات الماء تتساقط من شعره على أرض الرصيف مثل نبضات متقطعة بينما أخفت صوفيا وجهها في كتفه الصغير لا لتقي نفسها من المطر فحسب بل لتختبئ من العالم كله. لم يجب أليخاندرو عن سؤال ماريا ولم تتحرك صوفيا ولم يصدر عنهما سوى أنفاس قصيرة متقطعة كأن كل نفس يحتاج إلى إذن مسبق كي يخرج.
كان الصمت بينهما أبلغ من أي جواب صمت يحمل في داخله قصصا لا تقال وأياما لم تكتب ووجعا تعلم أن يعيش بلا شاهد.
تقدمت ماريا خطوة ثم انحنت حتى صارت في مستواهما وألقت على الطفلين نظرة لم تكن مجرد شفقة كانت نظرة أم ترى في وجهين مبللين صورة لشيء كان يمكن أن يحدث لابنتها لو تغير القدر قليلا.
قالت بصوت منخفض كأنها تخشى أن تجرح الهواء
تعاليا معي.
رفع أليخاندرو عينيه إليها بحذر وفي عينيه حذر يشبه حذر الكبار لا حذر الأطفال. ثم قال بتردد كأنه يستأذن خوفه
الرجل في الداخل سيصرخ علينا.
ابتسمت ماريا ابتسامة صغيرة لا ترى بسهولة ابتسامة من يعرف أن الخوف ليس عذرا لكنه طبيعي. ثم قالت بنبرة ثابتة وفي ثباتها شيء غريب يشبه الوعد
سأتعاملأنا معه.
تردد أليخاندرو لحظة كأنه يوازن بين احتمالين أن تكون ماريا مثل كثيرين قبله قالوا كلاما جميلا ثم تركوهما أو أن تكون مختلفة. ثم ضغط على يد صوفيا برفق كأنه يطمئنها قبل أن يطمئن نفسه.
خطوا معا نحو باب المطعم.
كان الداخل دافئا والأضواء صفراء ناعمة والموسيقى الخفيفة تخفي قسوة الليل خلفها. كان الناس يضحكون يأكلون يتبادلون الحكايات وكأن المطر في الخارج لا يخصهم. في لحظة واحدة شعر أليخاندرو أن بينه وبين هؤلاء عالما كاملا وأن الزجاج الذي فصلهم عن الطعام لم يكن زجاج نافذة فقط بل زجاج حياة.
دخل الثلاثة المطعم وهم يقطرون ماء. ومع أول خطوة للطفلين على الأرض الجافة سمعت همسات متقطعة من هنا وهناك وبعض النظرات التي تعرفها ماريا جيدا نظرة الضيق نظرة الاستعلاء نظرة لماذا أدخلتيهما.
لكن ماريا لم تمنح شيئا من ذلك وزنا. كانت تعرف أن اللحظات التي يتغير فيها مصير إنسان لا تنتظر رضا الجمهور.
وبينما كان دون ريكاردو عند المدخل يتابع الموقف بعين غضبى تحركت ماريا بسرعة محسوبة لم تتجه إلى الطاولات ولم تشرح ولم تبرر بل قادت الطفلين مباشرة نحو المطبخ كمن يحمي سرا ثمينا من أن يدهس تحت أقدام العيون.
في المطبخ كان البخار يتصاعد من قدورساخنة والرائحة كانت تختلط بين الدجاج والتوابل والأرز. توقف الطهاة لحظة عن الحركة حين رأوا ماريا تدخل ومعها طفلان مبللان ثم نظروا إليها ينتظرون تفسيرا لكنها لم تملك وقتا للتفسير.
قالت بسرعة وهي تشير إلى مكان قريب
اجلسا هنا هنا فقط بسرعة.
جلست صوفيا على صندوق خشبي فارغ وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها من البرد والخوف وجلس أليخاندرو بجانبها لكنه لم يجلس حقا كان نصف واقف مستعدا للهروب في أي لحظة. كان جسده يعلن أنه لا يثق بالاستقرار.
استدارت ماريا نحو الطعام المتبقي وكأنها في سباق مع الزمن. كانت تعرف أنها لو تأخرت دقيقة واحدة سيصل دون ريكاردو ويحول كل شيء إلى فضيحة.
فتحت وعاء الدجاج المشوي المتبقي وانتزعت منه قطعا بعناية لا تليق ببقايا الطعام كأنها تقدم طبقا لضيف عزيز لا لطفلين قادمين من الشارع. ثم وضعت في طبقين مقدارا من الأرز الأبيض والفاصولياء السوداء الدافئة وألقت بجانبهما شرائح من الموز المقلي.
وضعت الطبقين أمامهما وقالت بنبرة حنونة لكنها حازمة
كلا ببطء لا تلتهموه حتى لا يتعب بطنكما.
كان أليخاندرو ينظر إلى الطعام كأنه لا يصدق أن أحدا يعطيه إياه من غير ثمن أو شرط. ولما اقتربت صوفيا من الطبق كان يمكن سماع صوت معدتهاأكثر من صوت المطر خلف النافذة.
بدأت صوفيا تأكل أول لقمة ثم الثانية ثم الثالثة كأنها تعيد الحياة إلى جسدها لقمة لقمة. لكنها ما إن رفعت عينها لتلتقي بعين أخيها حتى توقفت وكأنها تذكرت أنه موجود وأن العالم لا يعطي شيئا بلا مقابل.
عندها حدث ما حطم قلب ماريا من الداخل أليخاندرو لم يمد يده إلى طبقه أصلا بل أخذ الملعقة وبدأ يطعم أخته.
كان يقدم لها اللقمة الصغيرة وينتظر حتى تبتلعها ثم يقدم ثانية وثالثة وبعينين ثابتتين كأنهما تقولان إن أكلت أنا أولا قد يحدث شيء قد يأتي من يمنعنا قد يضيع الطعام هي يجب أن تأكل قبل أي خطر.
ابتلعت ماريا ريقها بصعوبة ثم قالت له بصوت خفيض
يجب أن تأكل أنت أيضا.
رفع نظره إليها وفي النظر نضج لا يليق بطفل في الثامنة ثم قال بعبارة موجعة
هي أولا دائما هي أولا.
لم يكن يقولها ليتجمل كان يقولها كقانون حياة. كأن العالم كله علمه أن الأخ الأكبر لا يملك رفاهية الأنانية وأن الجوع يمكن تحمله لكن رؤية الصغيرة تتألم لا تحتمل.
جلست ماريا قربهما قليلا محاولة أن تبدو هادئة رغم العاصفة التي تولد في صدرها. ثم سألت السؤال الذي لا بد منه السؤال الذي يخيف الأطفال عادة
أين والداكما
تجمد أليخاندرو كما يتجمد من يسمعاسما يوجع. توقفت يده في الهواء

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى