قصص قصيرة

في الثانية عشرة من عمري  

في الثانية عشرة من عمري

في ليلة عيد ميلادي، وبعد أن انتهى الضحك والتقاط الصور ومحاولتنا التظاهر بأننا ما زلنا عائلة متماسكة… وقفت أختي نور أمام باب غرفتي تحمل كيسًا بلاستيكيًا قديمًا.

قالت بصوت خافت:

“وجدته داخل صندوق أبي.”

كان بداخله صورة لأمي، ورسالة قديمة، وأوراق مطوية كُتب عليها اسم أبي

شعرتُ بالبرد يسري في جسدي.

ثم نظرت إليّ نور بعينين مرتجفتين وقالت:

“أمي لم تتركنا بسبب ما رأيتِه…”

“زهراء… أمي لم تتركنا بسبب ما رأيتِه فقط.”

بقيتُ أحدّق في وجه نور وكأن الكلمات لم تصل إلى أذني أصلًا.

أو ربما…

لم أُرِد أن تصل.

كانت الغرفة هادئة إلا من صوت مروحة السقف القديمة، ومن ضجيج بغداد البعيد المتسلل عبر النافذة؛ أبواق السيارات، وصوت بائع الشاي عند آخر الزقاق، ورائحة الخبز الساخن القادمة من الفرن القريب.

وضعت نور الكيس البلاستيكي فوق السرير وقالت بصوت مرتجف:

“اقرئي ما في الصندوق أولًا… وبعدها احكمي.”

نظرتُ إلى الكيس طويلًا.

كان قديمًا ومربوطًا بعقدتين، كأن من أخفاه كان يخشى أن تتسرّب منه الحقيقة نفسها.

مددتُ يدي ببطء وفتحته.

في الداخل كانت هناك صورة لأمي، وعدة أوراق

قديمة، ورسائل مطوية بعناية.

لكن أكثر ما شدّني…

رسائل موجهة إلى أبي.

رسائل تهديد.

إحداها تقول:

“الأستاذ حيدر،

أمامك أسبوع واحد لتسديد ما عليك. وإن كنت لا تملك المال… فهناك طرق أخرى للتفاهم.”

ورسالة أخرى:

“زوجتك تبدو امرأة عاقلة أكثر منك. ربما تفهم كيف تُحل المشاكل دون فضائح.”

شعرتُ بالغثيان.

وفي أسفل كل رسالة اسم واحد يتكرر رامز السامرائي.

مدير أمي.

الرجل الذي ظننته طوال حياتي مجرد عشيق سرق أمي منا.

رفعتُ رأسي نحو نور ببطء.

همستُ:

“ما هذا…؟”

قالت وهي تمسح دموعها:

“لا أعرف… لكن هناك المزيد.”

فتحتُ ورقة أخرى بسرعة.

كانت إيصالات ديون قديمة عقودًا. توقيعات. أختام مكاتب قانونية.

وفي كل صفحة تقريبًا…

كان اسم رامز موجودًا بطريقة أو بأخرى.

بدأ قلبي ينبض بعنف.

وفي تلك اللحظة بالذات فُتح باب الغرفة.

التفتنا معًا.

كان أبي يقف عند المدخل.

وحين رأى الأوراق في يدي عرف فورًا.

تغيّر وجهه بالكامل.

دخل ببطء وأغلق الباب خلفه، ثم جلس على الكرسي القريب وكأنه يحمل فوق ظهره عمرًا كاملًا.

قلتُ بصوت مرتجف:

“ما هذه الرسائل؟

لم يجب فورًا.

ظل ينظر إلى الأرض لثوانٍ طويلة، ثم مرر يده فوق وجهه بتعب وقال:

“كنت أتمنى ألا تعرفن أبدًا.”

شعرتُ بالغضب يشتعل داخلي دفعة واحدة.

“تعرف ماذا؟!”

رفع عينيه نحوي أخيرًا.

وكان الحزن فيهما أعمق من أي شيء رأيته من قبل.

قال بصوت متعب:

“أمكِ لم تكن كما ظننتِ يا زهراء.”

اختنقت أنفاسي.

“إذًا ماذا كان يحدث؟”

أغمض عينيه للحظة، ثم قال:

“بعد إصابتي في الورشة، تراكمت الديون فوقنا.

كانت نور مريضة، والبيت مهددًا، ولم نجد من يساعدنا سوى رامز.”

ساد الصمت.

أكمل بصوت خافت:

“في البداية بدا وكأنه يساعدنا فعلًا.

دفع جزءًا من تكاليف العلاج، وأعطاني مالًا للورشة، وقال إنني أسدده لاحقًا.”

ثم ضحك بمرارة موجعة.

“لكن الرجال مثله لا يعطون شيئًا مجانًا.”

شعرتُ بيدي تبردان.

قال:

“بعد فترة بدأ يقترب من أمكِ بطريقة أزعجتها.

كانت تخبرني، وكنت أطلب منها الابتعاد عنه.

لكننا كنا غارقين في الديون.”

ابتلعتُ ريقي بصعوبة.

أكمل:

“ثم بدأت التهديدات.”

وأشار إلى الرسائل فوق السرير.

“كان يرسل هذه الرسائل باستمرار.

مرة يهدد بالسجن.

ومرة بالحجز على البيت.

ومرة يلمّح لأشياء أسوأ.”

قالت نور بخوف:

“مثل ماذا؟”

أخفض أبي رأسه للحظة قبل أن يجيب:

“مثل أن يؤذينا إن رفضت أمكم الاستمرار بالعمل عنده.”

ثم أضاف بعد صمت قصير:

“وكان يعرف أين نذهب… ومع من نتحدث.

حتى أمكم، بعد أن غادرت، كانت تغيّر مكانها باستمرار وتخشى استخدام أي رقم لفترة طويلة.”

شعرتُ أن الغرفة تضيق حولي.

همستُ:

“واليوم الذي رأيتها فيه؟”

تنهد أبي طويلًا.

وقال:

“كانت قد ذهبت لتطلب منه أن يتركنا بحالنا.

أن يمنحنا وقتًا فقط.

لكنه أمسك بها هناك، ومن الزاوية التي رأيتِها منها بدا الأمر أسوأ مما كان.”

بدأت الدموع تحرق عيني.

يا الله…

كل تلك السنوات…

وكنت أظن أنني رأيت الحقيقة كاملة.

قال أبي بصوت مكسور:

“حين أخبرتِني بما رأيتِه… واجهتها.

تشاجرنا بشدة.

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى