
سر آخر حكايات اسما السيد
كل ليلة كنت أجد قطعة ملابس داخلية رجالية غريبة في غرفة نومي أنا وزوجي الغارق في غيبوبة منذ سنوات
في البداية أقنعت نفسي أن الأمر مجرد خطأ من المغسلة
ثم بدأت أشم رائحة عطر رجالي فاخر ورائحة دخان سجائر لا يمكن أن تكون وهما
حتى بدأت الخيوط تتشابك أمامي واكتشفت الكارثة
سنوات طويلة وأنا أرعى زوجي في غيبوبته كانت كفيلة بأن تغيّر إنسانا بالكامل
تحولت إلى ممرضة وحارسة ومحاسبة وأرملة بلا جنازة
ومع ذلك كنت أعود كل ليلة إلى سريري لأسمع الصمت ذاته
صمت له رائحة مطهر واستسلام
اسمي رانيا عبد الرحمن
أعيش في منزل مكوّن من ثلاثة طوابق داخل مجمّع سكني هادئ في التجمع
منزل ينظر إليه الناس بحزن وإعجاب ويقولون كم هي امرأة قوية
لكن أحدا لم ير الوحدة المعلقة حول عنقي كسلسلة ثقيلة لا تنفك
زوجي كريم الشاذلي دخل في غيبوبة بعد حاــ,,ـــــدث سيارة
هكذا قيل لي وهكذا كررت لنفسي لسنوات
سرير المستشفى احتل نصف غرفة نومنا
وصوت الأجهزة أصبح إيقاع البيت كله
كانت أم سعاد تساعدني في رعايته أثناء عملي
وكانت الدكتورة دينا فؤاد تزورنا بانتظام وتمنحني في كل مرة أملا صغيرا بالكلمات
لكن تفصيلة صغيرة بدأت تفسد كل شيء
تفصيلة بدت تافهة في البداية لكنها كانت كفيلة بهدم عالمي
كنت أجد بين الحين والآخر قطعة ملابس داخلية رجالية ليست لزوجي
أقنعت نفسي بأن الغسيل اختلط أو أن الأمر مجرد خطأ عابر
لكن الرائحة كانت الحقيقة التي لا يمكن إنكارها
عطر رجالي فخم ودخان سجائر
زوجي لم يتحرك منذ ست سنوات
في إحدى الليالي نزلت إلى غرفة الغسيل وفتحت سلة ملابسه
وجدت قطعة أخرى بلون خمري ليست له
حينها أدركت أن حياة ما كانت تجري في منزلي من وراء ظهري
سألت أم سعاد إن كان أحد دخل البيت
أجابت بالنفي وكانت عيناها صادقتين
فكان السؤال الأصعب الذي طاردني بعدها
ليس من دخل البيت بل من خرج منه
اشتريت كاميرا صغيرة وأخفيتها داخل مقبس كهربائي في غرفة النوم
ثلاث ليال مرت دون شيء يذكر
في الليلة الرابعة وعند الساعة الثالثة فجرا توقفت الكاميرا عن التسجيل لمدة ساعة كاملة
ثم عادت للعمل
وعندما راجعت التسجيل لاحظت أن يد كريم تغير موضعها
في تلك اللحظة عرفت أن هناك شيئا خطأ حقا
أعلنت أمام الجميع أنني مسافرة ليومين
وقالت الدكتورة بهدوء مريب إنها ستعتني بكل شيء
لكنني لم أسافر
بقيت مختبئة خارج المنزل حتى منتصف الليل
وقفت تحت النافذة أنظر إلى الداخل
وما رأيته لم أكن أتخيله أبدا
كانت الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل عندما أضاءت غرفة النوم
رأيت ظل شخص يتحرك ببطء داخل الغرفة
تسارعت دقات قلبي حتى شعرت بها في أذني
فتحت نافذة الطابق الأرضي بهدوء شديد ودخلت المنزل كأنني غريبة عنه
كل شيء بدا طبيعيا في الطابق السفلي
الصمت ذاته والرائحة نفسها
لكن الضوء في الطابق العلوي كان يفضح الحقيقة
صعدت الدرج خطوة خطوة وأنا أكتم أنفاسي
كل درجة كانت كأنها تصرخ تحت قدمي
وعندما وصلت إلى باب غرفة النوم سمعت صوتا خافتا
صوت رجل يتنفس بعمق
تجمدت في مكاني
لم يكن من المفترض أن يكون هناك أي رجل في هذا البيت سواي وزوجي الغارق في غيبوبته
دفعت الباب ببطء شديد
وما رأيته جعل العالم يتوقف للحظة
كانت الدكتورة دينا تقف قرب سرير زوجي
لكنها لم تكن وحدها
كان هناك رجل آخر يقف بجانبها
لم أستطع رؤية وجهه في البداية
لكنني رأيت جسده يتحرك بثقة وكأنه يعرف المكان جيدا
رأيت ملابسه الملقاة على الأرض
ورأيت قطعة الملابس الداخلية الخمرية التي كنت أجدها كل ليلة
اختلطت المشاعر داخلي بين الصدمة والغضب والخوف
لكن أكثر ما كان ي.ني هو سؤال واحد
ماذا يفعل هذا الرجل في غرفة نومي
اختبأت خلف الباب أراقب بصمت
كان الرجل يقترب من سرير زوجي
يمد يده نحو الأجهزة الطبية وكأنه يعرف كيف يتعامل معها
بينما كانت الدكتورة تراقبه بتركيز
قالت بصوت خافت
الوقت قصير لا تتأخر
اقترب الرجل أكثر من السرير
ثم حدث ما لم أكن مستعدة لرؤيته
تحركت يد زوجي مرة أخرى
لم تكن حركة عشوائية
كانت حركة واعية بطيئة لكنها واضحة
ارتجف جسدي كله
أردت أن أصرخ لكن صوتي اختفى
تبادل الرجل والدكتورة نظرة سريعة
ثم قال الرجل بهدوء
بدأ يستجيب
سقطت الكلمات فوقي كصاعقة
بدأ يستجيب
هل كان زوجي واعيا طوال هذه السنوات
هل كان يسمع ويرى كل شيء
تراجعت خطوة إلى الخلف وأنا أشعر أن الأرض تميد بي
لكن صوتا آخر وصل إلى أذني





