قصص قصيرة

قصة صاحب الفندق

في لحظة يأس حقيقية صاحب فندق كبير كان قاعد لوحده في مكتبه بعد نص الليل، قدامه تقارير كلها أرقام حمراء وخساير بتزيد يوم عن يوم، الموسم كان أسوأ من أي توقعات، الأوض فاضية، الحجوزات بتتلغي، والديون بتضغط عليه من كل ناحية، وهو ماسك راسه ومش شايف قدامه أي مخرج، وفجأة الموبايل رن، رقم دولي، قلبه دق بسرعة لأنه عارف الرقم ده كويس، كانوا المستثمرين العرب اللي موّلين أكبر تجديد حصل في الفندق، رد عليهم بالعربي بطلاقة لأنه كان دارس في الخليج سنين، رحّب بيهم باحترام لكن ردهم كان بارد وحاسم، قالوا له من غير مقدمات الليلة عشا ونتوقع حضورك إنت وزوجتك، اتجمد مكانه لأنه مش متجوز أصلاً، حاول يفتح بقه يشرح لكن الخط اتقفل، فضل باصص في الموبايل كأنه مستنيهم يرجعوا يكلموه ويقولوا بهزروا، بس مفيش حاجة حصلت، ساعتها حس إن الفندق كله ممكن يضيع في ليلة واحدة لو ما مشّاش الموضوع صح، ما يقدرش يرفض، وما يقدرش يعترف إنه أعزب لأنهم دايمًا كانوا شايفين صورة المدير المستقر العائلي اللي يقدر يعتمدوا عليه، بدأ يفكر بسرعة يجيب زوجة منين في ساعات قليلة، ممثلة؟ مخاطرة كبيرة لو اتكشف الموضوع، واحدة معرفة؟ فضيحة وإحراج، وهو تايه في أفكاره سمع خبطة خفيفة على الباب وصوت هادي بيقول يا فندم أنضف المكتب، رفع عينه وشاف فيرونيكا، واحدة من عاملات النظافة اللي بيشوفها كل يوم من غير ما ياخد باله منها، طويلة، هادية، مش بتتكلم كتير،نظرتها ثابتة وفيها ذكاء واضح، وفي اللحظة دي الفكرة لمعت في دماغه وكأنه متعلق بقشة، ناداها وقفل الباب وشرح لها الموقف بسرعة ومن غير تجميل، قال لها الموضوع مجرد عشا رسمي، تقعدي جنبي، تبتسمي، ما تتكلميش غير لو حد كلمك مباشرة، هدفع لك مبلغ كبير مقابل الليلة دي، كنتي في مدرسة خاصة أكيد تعرفي تمسكي الشوكة والسكينة صح، كانت واقفة بتسمعه بهدوء غريب من غير ما تتوتر أو تستغرب، سألته سؤال واحد بس هل ده هينقذ الفندق والناس اللي بتشتغل فيه، اتفاجئ بس قال أيوه ده ممكن يحدد مصير المكان كله، سكتت لحظة وبعدين قالت تمام هعمل كده، قضت الساعتين اللي قبل العشا في تجهيز نفسها بهدوء، لبست فستان بسيط أنيق من غير مبالغة، سرحت شعرها بطريقة راقية، ولما نزلت معاه على القاعة الخاصة اللي اتجهزت للعشا المستثمرين كانوا قاعدين بالفعل، تلاتة رجال بلبسهم التقليدي وهيبتهم الواضحة، رحبوا بيه وبزوجته المفترضة بابتسامات رسمية، قعدوا وبدأت المجاملات الخفيفة وبعدين الكلام دخل في الشغل بسرعة، اتكلموا بالعربي بينهم وهم واثقين إن فيرونيكا مش فاهمة حرف، قال واحد منهم الفندق بقى عبء مالي وإحنا شايفين أرقام ما تطمنش، وقال التاني إحنا مش جمعية خيرية لازم نشوف عائد واضح، صاحب الفندق حاول يرد ويبرر ويتكلم عن خطط مستقبلية وتسويق جديد بس صوته كان مهزوز وحاسس إن كلامه مش مقنع، المستثمرين بصوا لبعض وقال أكبرهم إحنا محتاجين ضمانات قوية وإلا هننسحب ونسحب تمويلنا بالكامل، اللحظة كانت تقيلة لدرجة إن صوت الملاعق بقى عالي في ودنه، وفجأة فيرونيكا حطت الشوكة بهدوء شديد ومسحت طرف شفايفها بالمنديل ورفعت عينيها ليهم واتكلمت بالعربي الفصيح بطلاقة أذهلتهم وقالت اسمحوا لي أتدخل، ساد صمت كامل على الترابيزة، بصوا لها بدهشة واضحة، قالت بهدوء واحترافية إن الأرقام اللي بيناقشوها صحيحة لكنهم بينظروا لها من زاوية قصيرة المدى، وبدأت تحلل لهم السوق المحلي والسياحة الموسمية والتغيرات الاقتصادية وتأثيرها على الإشغال، وشرحت خطة تسويق رقمية مفصلة لاستهداف سياحة المؤتمرات وسياحة العلاج بالتعاون مع مراكز قريبة، وتكلمت عن إعادة هيكلة الديون قصيرة الأجل وتحويل جزء منها لاستثمارات طويلة الأجل مقابل نسب أرباح مستقبلية أعلى، كانت بتتكلم بثقة وكأنها بتقدم عرض رسمي قدام مجلس إدارة، المستثمرين كانوا ساكتين تمامًا، واحد منهم سأله سؤال معقد عن نسب العائد الداخلي ومخاطر السوق، ردت عليه بأرقام تقريبية دقيقة ومنطق واضح، سألها تاني عن الضمانات فقالت الضمان الحقيقي هو إدارة فعالة ومشاركة فعلية من المستثمرين بدل الضغط بالانسحاب، وأشارت لنقطة إن سحب التمويل الآن هيحوّل خسارة مؤقتة لخسارة مؤكدة للجميع، الجو اتغير تمامًا، صاحب الفندق نفسه كان مذهول لأنه أول مرة يسمع التحليل ده بالشكل ده، بعد دقائق طويلة من النقاش المستثمرين طلبوا استراحة قصيرة، قاموا يتشاوروا بعيد شوية، وهو فضل قاعد جنبها مش مصدق اللي حصل وسألها بصوت واطي إنتِ مين بالظبط، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت كنت بدرس اقتصاد وإدارة أعمال في جامعة مرموقة برا البلد وكنت متفوقة لكن ظروف عائلية صعبة خلتني أسيب الدراسة وأشتغل أي شغل يوفر دخل ثابت، رجع المستثمرين بعد عشر دقايق ووشوشهم اختلفت، كبيرهم قال بالعربي الواضح إحنا مش بس مش هنسحب استثمارنا إحنا هنضخ تمويل إضافي بشرط تنفيذ الخطة اللي اتعرضت الليلة وتكون السيدة دي جزء من الإدارة التنفيذية، صاحب الفندق حس كأن جبل اتشال من فوق صدره، وافق فورًا من غير تردد، انتهى العشا باتفاق جديد وأمل جديد، وفي اليوم اللي بعده أعلن تعيين فيرونيكا مستشارة استراتيجية ثم مديرة تطوير أعمال، بدأت تشتغل بجد، أعادت تنظيم الأقسام، دربت الموظفين، أطلقت حملات تسويق مبتكرة، وبعد شهور قليلة نسب الإشغال بدأت ترتفع، الفندق رجع للحياة تدريجيًا، المستثمرين بقوا شركاء فعليين مش مجرد ممولين، وصاحب الفندق تعلم درس عمره ما هينساه إن المظهر ممكن يخدع وإن الكفاءة ممكن تكون مختفية في أبسط الأماكن، أما فيرونيكا فكانت الليلة دي نقطة تحول في حياتها، من عاملة نظافة محدش واخد باله منها إلى العقل المدبر اللي أنقذ المكان كله، وكل ما يفتكر اللحظة اللي رفعت فيها عينيها واتكلمت لأول مرة يبتسم لأنه عارف إن قراره اليائس في الليلة دي كان أغرب وأصدق قرار أخده في حياته كلها.

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى