
قلادة قديمة حكايات اسما
شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدمي لم أستطع أن أتنفس للحظة واحدة حدقت في وجهها أكثر كانت في منتصف العشرينات تقريبًا عيناها بنيتان دافئتان وشعرها ينسدل على كتفيها بنفس الطريقة التي كانت ريم تتركه بها حين كنا شبابًا سألتها بصوت مرتجف والدتك من أي مدينة أجابت من الإسكندرية لكنها توفيت منذ خمس سنوات شعرت بصدمة أخرى الإسكندرية كررت الكلمة داخلي كأنها صدى بعيد سألتها اسمها إيه قالت اسمها كان نادية تجمدت للحظة الاسم ليس ريم لكن القلادة هي نفسها لا يمكن أن أكون مخطئًا أشرت إلى الخدش الصغير بجوار الحجر وقلت هذه العلامة حدثت يوم سقطت منا القلادة في شرفة بيتنا القديم نظرت إلي باستغراب واضح وقالت أنا لا أعرف هذه التفاصيل أمي لم تكن تتحدث كثيرًا عن ماضيها لكنها قالت إن القلادة هدية من شخص أحبته جدًا في شبابها ثم سكتت فجأة ونظرت إلي بتركيز وسألتني هل حضرتك تعرف أمي شعرت أن الكلمات تختنق في حلقي قلت لها بهدوء متوتر كنت أعرف امرأة تشبهها جدًا وكانت تملك هذه القلادة نفسها اختفت منذ عشرين عامًا رفعت الفتاة يدها إلى فمها بدهشة وقالت أمي أيضًا اختفت لفترة طويلة قبل أن أراها لأول مرة عشت طفولتي مع خالتي قالت لي إن أمي مرت بظروف صعبة جدًا وإنها لا تستطيع أن تكون معي ثم عادت إلي وأنا في الخامسة من عمري كانت متحفظة صامتة لا تتحدث عن الماضي أبدًا جلست على المقعد القريب من قسم الفاكهة لأن قدمي لم تعودا تحملاني سألتها برجاء هل معك صورة لوالدتك فتحت هاتفها بسرعة وبحثت بين الصور ثم مدت الشاشة نحوي حين رأيت الصورة شعرت أن قلبي توقف كانت ريم أكبر سنًا بالطبع ملامحها أنضج وتجاعيد خفيفة حول عينيها لكنها هي نفسها لا شك في ذلك نفس الابتسامة التي كانت تسبقها دمعة خفية نفس النظرة التي كانت تقول لي دائمًا لا تتركني وحدي لم أشعر بدموعي وهي تنهمر سألتها بصوت مكسور هذه والدتك حقًا هزت رأسها نعم اسمها نادية كما أخبرتك لكن خالتي قالت لي مرة إن هذا ليس اسمها الحقيقي وإنها غيرته عندما بدأت حياة جديدة نظرت إلي بقلق وسألتني هل أنت بخير حكيت لها كل شيء من البداية عن ريم عن الحادث عن الورقة التي كتبت فيها أتمنى أن تسامحني يومًا ما عن سنوات البحث والانتظار عن وحدتي التي لم أخرج منها أبدًا كانت تستمع لي وعيناها تتسعان مع كل كلمة قلتها سألتني أخيرًا هل تظن أن أمي هي زوجتك المفقودة أغمضت عيني لحظة وقلت أنا متأكد من شيء واحد فقط هذه القلادة لم تكن نسخة ولم أر مثلها من قبل صنعتها خصيصًا لها من عند صائغ في محطة الرمل في الإسكندرية وكانت العلامة الصغيرة هنا نتيجة سقوطها من يدها حين كنا نضحك في الشرفة سكتت الفتاة قليلًا ثم قالت اسمها إيه زوجتك قلت ريم ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت أمي كانت أحيانًا تناديني ريما كنت أظنها تحب الاسم فقط لم أستطع احتمال المزيد طلبت منها أن نلتقي مرة أخرى في مكان هادئ لتخبرني بكل ما تعرف وافقت وجلست معي في مقهى قريب بدأت تحكي لي أن أمها كانت تعيش بهوية مختلفة عملت في مكتبة صغيرة في طنطا وكانت منطوية جدًا لم ترتبط بأحد ولم تتحدث عن أي رجل في حياتها وعندما مرضت قبل وفاتها طلبت من ابنتها أن تسامحها لأنها حرمتها من معرفة والدها الحقيقي وأنه كان رجلاً طيبًا جدًا لكنها لم تستطع العودة إليه شعرت بأنفاسي تتسارع قلت لها هل تركت لك أي شيء أي رسالة أي ورقة نظرت إلي بحزن وأخرجت من حقيبتها ظرفًا قديمًا مهترئ الأطراف وقالت هذا وجدته بين أغراضها بعد وفاتها لم أقرأه كله لأنه كان مؤلمًا لكنه موجه لرجل اسمه عادل شعرت وكأن الدنيا توقفت عادل هو اسمي فتحت الظرف بيدين ترتجفان كانت الكتابة مألوفة خط ريم نفسه قرأت الكلمات بصعوبة كنت أكتب لك هذه الرسالة وأنا أعلم أنني أرتكب أكبر خطأ في حياتي لكنني خائفة يا عادل خائفة من شيء لم أستطع أن أخبرك به الأطباء أخبروني أن الحمل يعرض حياتي للخطر وأن احتمالات نجاتي ضعيفة جدًا لم أحتمل فكرة أن أتركك وحيدًا بعد أن أراك تمو.ت أمام عيني لذلك قررت أن أختفي وأن أبدأ حياة بعيدة حتى ألد بأمان وإن مت فلن تعيش على أمل كاذب وإن نجوت فسأبحث عنك يومًا ما لكنني لم أمت وعشت ومعي طفلتنا التي تشبهك كثيرًا لم أجرؤ على العودة لأنني رأيتك في الأخبار بعد سنوات وقد أقنعت نفسي أنك بدأت حياة جديدة أردت أن أكتب لك مرارًا لكن خوفي كان أقوى سامحني لأنني حرمتك من رؤية ابنتك سامحني لأنني اخترت الطريق الأسهل بالنسبة لي والأقسى بالنسبة لك أحبك دائمًا ريم لم أستطع قراءة المزيد نظرت إلى الفتاة التي كانت تجلس أمامي والدموع في عينيها قلت لها بصوت مبحوح أنت ابنتي صمتت لحظة ثم قالت أمي كانت تقول إن والدي كان رجلاً لا يشبه غيره وإنها كانت تحبه أكثر من نفسها لم أكن أعرف أنه أنت مددت يدي نحوها بتردد ثم احتضنتها شعرت بشيء في داخلي يعود إلى الحياة بعد مو.ت طويل حكيت لها عن بيتنا عن الشرفة عن ضحكة ريم عن حلمنا بطفل يملأ المكان حياة أخبرتني عن طفولتها عن شعورها بالنقص لأنها لا تعرف والدها عن أسئلتها التي لم تجد إجابة لها طوال سنوات فهمت أخيرًا لماذا كتبت ريم تلك الورقة في السيارة أرادت أن تقطع كل الخيوط حتى لا أبحث عنها أرادت أن تحميني من انتظار طويل لكنها لم تدرك أن الانتظار كان أقسى من الحقيقة عدت إلى الإسكندرية بعد أيام ومعي ابنتي ريما التي عرفت الآن اسمها الحقيقي حملت معي الرسالة والقلادة والذكريات ذهبت إلى شرفتنا القديمة وقفت هناك ونظرت إلى البحر وقلت بصوت خافت سامحتك يا ريم منذ اللحظة التي اختفيت فيها سامحتك لأنك كنت دائمًا تختارين بدافع الحب حتى لو أخطأت جلست أنا وريما نتحدث ساعات طويلة نكتشف تفاصيل متشابهة بيننا ضحكتها تشبه ضحكتي عنادها يشبه عنادي وحتى حبها للتفاح ربما لم تعش ريم لترى هذه اللحظة لكنها أعادت لي شيئًا ظننت أنني فقدته إلى الأبد أعادت لي ابنتي وأعادت لي معنى الانتظار الذي لم يكن عبثًا علمتني القصة أن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تضيع وأن الحب أحيانًا يختبئ خلف أخطاء بشرية لكنه يبقى حيًا ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر من جديد





