
بعد ما دفنت صاحب عمري ل نور محمد
بعد ما القضية خلصت والناس نسيت الحكاية بالتدريج، أنا ما نسيتش، كنت كل ليلة أصحى من النوم مفزوع على نفس المشهد، عصام واقف قدامي في المخزن والدم نازل من جبينه، أو الأخ التوأم وهو بيضحك نفس ضحكته، بقيت مش عارف أفرق بين وش صاحبي الحقيقي ووش اللي خد مكانه سنة كاملة، نقلت من الشقة اللي تحتها الكشك، ماقدرتش أعدي من المكان من غير ما قلبي يقبض، أمي كانت شايفة إني اتغيرت، بقيت ساكت أكتر، عصبي أكتر، وببص حواليا كتير كأني مستني حد يطلعلي من الضلمة، الشغل في البنك اتأثر، مديري نبهني كذا مرة، بس أنا كنت عايش في دوامة تانية خالص، دوامة اسمها الذنب، كل ما أفتكر إني سبت عصام يروح المقابلة لوحده عشان أحافظ على سمعتي، أحس إني أنا اللي ضغطت الزناد مش التوأم، وبعد حوالي ست شهور من الحكم النهائي، جالي ظرف من غير مرسل على عنوان البيت الجديد، الخط كان غريب، فتحت الظرف بإيد بتترعش، لقيت فيه فلاشة صغيرة وورقة مكتوب فيها بخط واضح “الحقيقة لسه ما خلصتش يا أحمد”، الدم جمد في عروقي، قفلت الباب كويس وشغلت اللابتوب، حطيت الفلاشة، كان فيها فيديو متسجل بكاميرا موبايل، التاريخ قبل موت عصام بيومين، الفيديو بيورّيمخزن تاني غير بتاعنا، وشخصين بيتكلموا، الصوت مش واضح في الأول، بس بعد ثواني عرفت صوت عصام، كان بيقول “أنا مش هسكت، حتى لو أحمد خاف، أنا مش هبيع ضميري”، والشخص التاني رد عليه “أنت فاهم اللعبة غلط، الموضوع أكبر من فلوس تأمين”، الصورة اهتزت وبان وش الشخص التاني للحظة، وقلبي وقف، ماكانش التوأم، كان مدير الفرع عندي في البنك، نفس الشخص اللي نبهني أكتر من مرة أركز في شغلي، الفيديو خلص فجأة على صوت خناقة، قعدت مش مستوعب، يعني الموضوع ماكانش بس شبكة تزوير وتأمين، كان فيه حد جوه البنك متورط، وده يفسر ليه التغطية كانت سريعة وليه الورق عدى بسهولة، ساعتها فهمت إن اللي حصل لعصام كان نتيجة شبكة أكبر، يمكن تجارة غسيل أموال، يمكن شحنات مضروبة بتمر من خلال حسابات معينة، وأنا كنت المحاسب اللي بيبص في الأرقام من غير ما يرفع عينه، طول الليل ما نمتش، الصبح روحت الشغل وانا باصص لمديري بنظرة مختلفة، كنت بحاول أفتكر أي حاجة غريبة عدت عليا، حوالات ضخمة داخلة خارجة، شركات وهمية، أسماء بتتكرر، بدأت أراجع ملفات قديمة بحجة إني بظبط أرشيف، وكل ما أفتح ملف أحس إني بقرب من حفرة جديدة، بعد أسبوع لقيت تحويلات باسم شركة هي نفسها اللي كانت بتمول مشروعنا، لكن بأرقام أكبر بكتير، والاعتماد النهائي عليها كان بتوقيع مديري، ساعتها اتأكدت إن عصام لما قال الموضوع أكبر من فلوس تأمين كان قصده ده، هو اكتشف حاجة وأنا فضلت مغمض عيني، رجعت البيت وقلبي بيخبط، حسيت إني مراقب، العربية السودة اللي كانت واقفة قدام العمارة بقالها يومين مشيت أول ما دخلت، بقيت أمشي أبص ورايا، وافتكر كلام التوأم وهو بيقولي إن الفلوس تستاهل تضحي بصاحبك، يمكن كان يقصد إن التضحية كانت مقررة من بدري، مش مجرد شجار، قررت أتحرك بحذر، كلمت نفس الضابط اللي ساعدني قبل كده، حكيت له على الفلاشة من غير ما أسيبها عندي، قابلته في مكان عام واديته نسخة، هو اتصدم وقال لي إن الموضوع لو طلع صحيح هيبقى قضية تقيلة، طلب مني أتصرف عادي كأني ماعرفش حاجة، الأيام اللي بعدها كانت أطول أيام حياتي، كل مكالمة من المدير تخليني أتوتر، كل ابتسامة منه أحس وراها تهديد، وفي يوم طلبني على مكتبه وقفل الباب وقال لي بنبرة هادية “أنت شكلك مش مرتاح يا أحمد، لو في حاجة مضايقاك قول”، حسيت إنه بيختبرني، قلت له ضغوط الشغل بس، ابتسم ابتسامة ماوصلتش لعنيه، وقال لي خليك في حالك أحسن، الجملة دي كانت واضحة، خرجت من عنده وانا متأكد إنه عارف إني عرفت، بعد يومين اتقبض عليه في حملة مفاجئة بتهمة غسيل أموال وتسهيل تحويلات مشروعة لشبكة كبيرة، والموضوع اتنشر في الأخبار، اسمي ما اتجابش، لكني كنت شاهد تاني في قضية أكبر من الأولى، وقتها بس حسيت إن روح عصام يمكن تبدأ تهدى، لأنه ماكانش بيحارب لوحده، أنا كنت جبان مرة، بس المرة دي وقفت، بعد شهور طويلة اتحكم على المدير وباقي الشبكة، والبنك عمل إعادة هيكلة، واتعرض عليا منصب أكبر، بس رفضت، ماعدتش عايز أعيش وسط أرقام ممكن تخبي وراها دم، سبت الشغل وبدأت صفحة جديدة، فتحت مكتب محاسبة صغير باسمي، وحطيت صورة صغيرة لعصام على المكتب، مش عشان أعيش في الماضي، لكن عشان أفتكر إن السكوت ساعات بيقتل، وإن الحقيقة حتى لو اتدفنت تحت بلاط وخرسانة سنة كاملة، بتيجي لحظة وتطلع للنور، يمكن متأخر، يمكن بعد خسارة، بس لازم تطلع، وكل ما حد يسألني ليه سبت وظيفة مستقرة عشان تبدأ من الصفر، بابتسم وأقولهم إني اتعلمت إن الخسارة الحقيقية مش فلوس، الخسارة الحقيقية إنك تخون صاحبك أو تخون ضميرك، وأنا دفعت تمن الدرس ده غالي، بس على الأقل دفعتُه وأنا صاحي.





