
تظاهر ملياردير فاحش الثراء بأنه حارس أمن
أنفاسها ضاقت وبأن قلبها يدق بقوة مؤلمة كأنه يحاول اللحاق بسرعة التحول الذي لم تستوعبه بعد.
تنفس أليخاندرو بعمق نفسا طويلا كمن أغلق فصلا ثقيلا من حياته. لم يكن ذلك النفس راحة فقط بل كان أيضا تحررا. تحررا من شهر كامل من التمثيل من الصمت القسري ومن اختبار لم يكن سهلا عليه كما ظن في البداية.
والآن قال بصوت أكثر هدوءا
لنتحدث عن لوسيا
هيرنانديز.
شعرت لوسيا وكأن الاسم سحب من أعماقها لا من أذنيها. رفعت رأسها ببطء شديد وكأنها تخشى أن يكون النظر إلى الأمام مخاطرة. وقفت.
كان الوقوف بحد ذاته تحديا.
قدماها كانتا بالكاد تحملانها وقلبها يخفق بعنف حتى خيل لها أن الجميع يسمع صوته.
خلال هذا الشهر تابع أليخاندرو وقد تغيرت نبرته صارت أقل رسمية وأكثر إنسانية
كانت لوسيا الوحيدة التي عاملت الحارس كإنسان.
توقف قليلا كأنه يمنح الكلمات وقتها لتصل.
دون أن تعرف من يكون.
دون أن تبحث عن مصلحة.
دون حساب أو انتظار مقابل أو رغبة في الظهور.
كانت لوسيا تشعر بكل كلمة كأنها توضع فوق قلبها. تذكرت صباحات كثيرة ألقت فيها التحية ببساطة وأياما شاركته فيها طعامها دون تفكير ولحظات سألته فيها عن يومه كما تسأل أي إنسان. لم تكن ترى في ذلك فضلا ولم تعتبره يوما شيئا استثنائيا. كان مجرد تصرف طبيعي أو هكذا ظنت.
نظر إليها أليخاندرو مباشرة.
لم تكن نظرة مدير إلى موظفة.
كانت نظرة إنسان رأى في إنسان آخر شيئا نادرا.
شكرا لك لوسيا.
في تلك اللحظة فاضت عيناها بالدموع. لم تحاول حبسها ولم تحاول أن تبدو قوية. تركتها تنساب بحرية كأنها دموع كانت محتجزة منذ زمن طويل لا لهذا اليوم وحده بل لأيام التعب والتجاهل والمرور الصامت.
أنا قالت بصوت مرتجف
كنت فقط لطيفة.
ابتسم أليخاندرو ابتسامة هادئة صادقة بلا أي تصنع.
وهذا هو السبب.
صمت قليلا ثم اعتدل في وقفته وعاد صوته رسميا بما يكفي ليسمعه الجميع لكنه لم يفقد دفئه.
ابتداء من اليوم
ترقى لوسيا هيرنانديز إلى منصب منسقة إدارية
مع منحة كاملة لدراسات عليا
ممولة بالكامل من فيستا إمباير.
للحظة لم تستوعب لوسيا ما قيل. الكلمات مرت فوق رأسها كصدى بعيد. ثم بدأ المعنى يتسلل ببطء ومعه انفجرت القاعة بالتصفيق.
تصفيق طويل حار صادق.
لم تستطع لوسيا التماسك أكثر. وضعت يدها على فمها وبكت. بكت بلا خجل بلا تبرير بلا محاولة للسيطرة على نفسها. كانت تلك دموع فتاة لم تكافأ يوما على كونها طيبة وها هي تفاجأ بأن الطيبة في لحظة نادرة لم تمر دون أن يراها أحد.
اقترب منها أليخاندرو خطوة ثم خطوة أخرى حتى صار قريبا بما يكفي ليخفض صوته.
وإن كنت تتساءلين إن كان كل هذا حقيقيا
فنعم.
توقف لحظة قصيرة ثم أضاف
حتى ما أشعر به.
رفعت لوسيا عينيها إليه والدموع لا تزال على وجنتيها.
ما الذي تشعر به سألت بصوت خافت أقرب إلى الهمس.
تنفس أليخاندرو بعمق كما لو أنه يستجمع شجاعة لم يكن بحاجة إليها في صفقات المليارات.
لسنوات قال
ظننت أن الحب الحقيقي غير موجود.
ظننت أنه خرافة يرددها الناس ليخففوا وطأة الوحدة.
ابتسم ابتسامة صغيرة صادقة.
لكن تبين أنه كان موجودا طوال الوقت
مختبئا خلف ابتسامة صادقة
وفطيرة متقاسمة دون انتظار مقابل
وقلب لا يقيس الناس بما يملكون بل بما هم عليه.
مر الوقت بعد ذلك لكن أثر تلك اللحظة لم يزل.
بعد أشهر صنفت فيستا إمباير كأفضل شركة من حيث بيئة العمل في البلاد ليس بسبب الرواتب وحدها بل بسبب التغيير الحقيقي الذي بدأ من الداخل.
اختفت إيزابيلا من عالم الشركات كأنها لم تكن يوما جزءا منه. لم تذكر إلا كحكاية تحذيرية تروى همسا.
أما أليخاندرو
فلم يجد فقط امرأة أحبته حين لم يكن أحدا في نظرها.
لم يجد فقط صدقا نادرا في عالم الأقنعة.
بل وجد نفسه.





