قصص قصيرة

تركتني زوجتي مع توأمٍ كفيفين…

ولا محاولة لتلميع صورة أحد بل اعترافا صريحا بالموهبة ذلك الاعتراف النادر الذي يأتي في صمت ثم يغير كل شيء دون أن يطلب الإذن.

في ذلك اليوم شعرت للمرة الأولى أن العالم الذي بدا قاسيا لسنوات طويلة قد توقف أخيرا عن الاختبار وكأن أحدهم قال لنا كفى.

كأن الحياة بكل ما فيها من قسوة وتأجيل قررت أخيرا أن تصافح بدل أن تدفع.

وقفت في موقع التصوير أمس أراقبهما تعملان بثقة لا توصف ثقة لا تولد من نجاح مفاجئ ولا من فرصة عابرة بل من سنوات طويلة من التعلم البطيء والصبر العنيد والتجربة التي فشلت مرارا قبل أن تنجح.

كانت ثقة من يعرف أن الخطأ ليس نهاية وأن المحاولة ليست ضعفا.

كانت إيما تعدل ياقة ممثلة بحس دقيق تتحسس القماش بأصابع تعرف طريقها دون حاجة إلى عينين كأن القماش يحدثها بلغته الخاصة فتجيبه.

لم

تكن تبحث عن الكمال بل عن الصدق عن تلك النقطة التي يستقر عندها القماش وكأنه يقول الآن هذا هو المكان الصحيح.

أما كلارا فكانت تثبت الحاشية بدقة متناهية تقيس المسافة بين غرزة وأخرى تشد الخيط ثم تتراجع نصف خطوة لا لترى بل لتشعر وكأن النتيجة مكتملة في داخلها قبل أن تظهر للعالم.

كانت تعمل بهدوء من يعرف أن العجلة تفسد وأن الثقة لا تحتاج إلى ضجيج.

تحركت أيديهما بثبات بلا تردد كأن الخطأ لم يعد مخيفا وكأن التجربة علمتهما أن كل غرزة يمكن تصحيحها وأن ما يفسده التسرع يصلحه الصبر.

كان في حركتهما طمأنينة غريبة طمأنينة من تصالح مع نفسه ومع محدودياته فلم تعد حدودا بل أدوات.

بدا المكان وكأنه يعرفهما منذ زمن بعيد وكأن الأقمشة نفسها تألف لمستهما وتستجيب لهما.

لم تكونا ضيفتين في هذا العالم كانتا تنتميان

إليه كما لو أن هذا الطريق كان ينتظرهما بصبر منذ أول غرزة خاطئة ومنذ أول فستان لم يخرج كما تمنتا.

اقترب مني المخرج وقف إلى جانبي للحظة راقب المشهد بصمت ثم قال بابتسامة إعجاب صادقة لا يشوبها مجاملة ولا مجازفة

ابنتاك موهوبتان بشكل استثنائي. هذا النوع من الموهبة لا يعلم إنه يصقل فقط. نحن محظوظون بوجودهما هنا.

ابتسمت وشعرت بأن صدري امتلأ بما لا يقال بمزيج من الامتنان والفخر وارتياح عميق لم أعرفه من قبل.

لم يكن ذلك فخرا بالإنجاز فقط بل فخرا بالطريق بكل ما فيه من تعب وخوف وانتظار طويل.

قلت بهدوء وكأنني أقول الحقيقة أخيرا دون محاولة لتجميلها

بل أنا المحظوظ.

في تلك اللحظة أدركت أن كل ليلة بلا نوم وكل خوف مر وكل شك راودني يوما لم يذهب سدى.

أدركت أن التعب لا يضيع إذا كان في الاتجاه الصحيح

وأن الحب مهما بدا بسيطا أو غير مرئي يصنع نتائج لا يصنعها المال ولا النفوذ.

شعرت إيما بوجودي كأن إحساسها بالعالم أوسع من النظر فالتفتت قليلا وسألت بصوت دافئ يحمل طفولتها القديمة ونضجها الجديد معا

أبي كيف يبدو

نظرت إليهما إلى ما صنعتاه إلى الطريقة التي تقفان بها بثقة بين الآخرين دون خوف دون اعتذار ودون شعور بأن عليهما إثبات أي شيء وقلت بصوت لم أستطع أن أخفي ارتعاشه

مثالي مثلكما.

لم تكن الكلمة عن الفستان ولا عن المشهد ولا عن الإضاءة ولا حتى عن النجاح.

كانت عنهما عن الرحلة كلها عن الاختيارات الصغيرة التي بدت غير مهمة في وقتها لكنها صنعت كل هذا لاحقا.

اخترنا بعضنا.

ولم نختر المال.

ولم نختر الصورة المصطنعة.

ولم نختر أن نثبت شيئا لأحد.

واكتشفنا مع مرور الوقت أننا لم نخسر شيئا بل كسبنا كل ما لا يقدر بثمن.

الثروة لم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى